الصفحة 12 من 56

أي نوع من الجوار الإنساني أو الحضاري أو الأخلاقي. وبالتالي فإن مجرد التفكير بإحراج نظام يتمتع بامتياز دولي هو ضرب من العبث.

لا يمكن لكل الكوارث والفواجع والأحقاد والضغائن والمآسي والدمار التي ارتكبها النظام أو خلفها، بما يعز عن الوصف ويتعاظم؛ أن تكون مجرد ثمن لمصالحات سياسية معه أو مع الطائفة. لذا لم يكن ثمة خيار أمام السوريين إلا أن يصبوا جام غضبهم على النظام، ويمضوا بعناد لا مثيل له في ضربه حيثما كان، غير آبهين بأفدح الخسائر، ولا بأعلى درجات القهر، ولا بأقصى مستويات الخذلان، ولا حتى بالفتن التي تعصف بالثورة السورية، أو المؤامرات المحلية والإقليمية والدولية التي تحاك ضدهم.

ولعل الحقيقة الأولى التي لا يمكن أن يماري فيها أحد، أيًا كان محتوى التحركات السياسية ماضيا وحاضرا، هي التي تؤكد قطعا بأن الأسد لا يمكن أن يستمر سياسيا، وأن بقاءه في السلطة اليوم أو غدا بات أشبه بالعدم. وبنفس المقدار؛ فإن هيمنة الطائفة «النصيرية» سياسيا تحطمت بالكامل، أما استمرارها فسيغدو حلما سياسيا، ناهيك أن يرقى إلى مستوى ذلك اجتماعيا، ولو في مستوى ما يسمى بالتعايش الاجتماعي.

والحقيقة الثانية فهي التي تقول بأن الثورة السورية التي أريد بها كسر إرادة الشعوب، ورغم تكلفتها المدمرة، انتشلت في المحصلة عموم الثورات العربية، وقدمت نموذجا حقيقيا لما تتطلبه الحرية من أثمان حقيقية لانتزاعها.

أما الحقيقة الثالثة التي بات الجميع يتحدث عنها اليوم بلا استثناء، وسنأتي على تفاصيلها تاليا، فهي التي أنجز فيها السوريون، واقعا، ما لم تنجزه الأمة في مائة عام، فالثورة هدمت النظام الدولي، أو تكاد. فهذا النظام الذي نعرفه منذ مائة عام، لم يعد فعليا قائما، وغدا بحاجة إلى بناء جديد أكثر منه ترميما. وهذا يعني أن المشاكل الدولية على وشك أن تبدأ، ربما بصيغة أكثر عدوانية ودموية مما وقع حتى الآن. وهو ما سنراه في محور «تآكل النظام الدولي» .

والحقيقة الرابعة أن بقاء «الدولة العربية» صار موضع نقاش في الغرب قبل الشرق، بعد أن تآكلت مشروعيتها، إلى الحد الذي لم يعد النظام السياسي يعنيه لا خدمات ولا حقوق ولا أمن اجتماعي ولا حاضر ولا مستقبل، بقدر ما تعنيه اللحظة الراهنة التي يعيشها. بل أن التغيير الديمغرافي والجغرافي صار واردا على كل لسان إلى الحد الذي يتحدث فيه البعض عن اختفاء دول مثل العراق وسوريا [1] ، وهو ما يتجاوز الحديث عن انهيار الشرعيات التي أوجدت الدولة نفسها.

(1) في مقابلة أجرتها صحيفة «lefigaro - 5/7/2015» الفرنسية، مقابلة مع الجنرال مايكل هايدن، مدير وكالة الأمن الأمريكية السابق، قال فيها: «إذا ما عدنا إلى التاريخ، نشهد أن العراق كان مقسّمًا إلى ثلاث ولايات في الإمبراطورية العثمانية: كردية وسنية وشيعية: ولايات الموصل وبغداد والبصرة. فما نسمّيه العراق لم يكن موجودًا. هذه الحقائق العلمانية مهمّة. ومرّة أخرى، لا أعتقد أنّ العراق وسوريا سيظهران من جديد. يجب البحث عن أمور بديلة أخرى» . موقع الصحيفة: http://cutt.us/r 3 f 6

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت