السلمية تتعسكر وطنيا وعقديا، والشعوب تفقد صبرها ... . فما الذي يمكن أن تكون عليه حالة النظام الدولي مع هكذا أوضاع؟
كغيره من سياسيي الغرب كتب وزير الخارجية الألماني الأسبق، joschka fischer، مقالة بعنوان: «أمريكا
المفتقدة [1] - 30/ 5/2013»، قال فيها: « (لقد) جرى الحفاظ على النظام الإقليمي الذي خلقته القوى الاستعمارية الفرنسية والبريطانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى وإلى نهاية الحرب الباردة والحقبة الوجيزة من الهيمنة الأميركية الأحادية التي أعقبت نهايتها، بيد أن اضطرابات السنوات الأخيرة العنيفة ربما تفضي إلى نهاية هذا النظام .. الآن أصبحت الحدود الاستعمارية محل تشكيك، ومن الصعب أن نتكهن بما قد تنتهي إليه أحوال سوريا ولبنان والعراق والأردن. والآن أصبحت إمكانية تفكك المنطقة وإعادة تشكيلها - وهي العملية التي قد تطلق أعمال عنف لا توصف كما يحدث في سوريا - أعظم من أي وقت مضى» .
كانت الولايات المتحدة قد اعترفت مبكرا بالخطر المحدق بالنظام الدولي. وجاء في أول فقرة لنص «تقرير مراجعة استراتيجيا الأمن القومي [2] لسنة 2010 - صدر في 2/ 6/2010» ما يلي: «في مطلع القرن الحادي والعشرين، تواجه الولايات المتحدة الأميركية مجموعة واسعة ومعقدة من التحديات لأمننا القومي. وكما أن أميركا ساعدت على تحديد مسار القرن العشرين، علينا أن نبني الآن مصادر قوة أميركا ونفوذها، وأن نصوغ نظاما دوليا قادرا على التغلب على تحديات القرن 21» . وفي فقرة أخرى يقول التقرير: «سيكون من المدمر لكل من الأمن القومي الأميركي والأمن العالمي، إن استخدمت الولايات المتحدة ظهور تحديات جديدة وعيوب النظام الدولي كذريعة للانسحاب منه» .
لكن ما أن وقعت مذبحة الغوطة الكيماوية في سوريا في 21/ 8/2013 حتى ثارت زوبعة دولية تمخضت عن حديث علني بين رموز النظام الدولي حول حقيقة النظام وقدرة مؤسساته على العمل. وعشية اجتماع مرتقب لمجلس الأمن لبحث وقائع المذبحة دعت صحيفة «الواشنطن بوست - 29/ 8/2013» الأمريكية الرئيس باراك أوباما إلى: «إثبات أن هناك عواقب وخيمة لمن يجرؤ على انتهاك الخطوط الحمراء التي تضعها الولايات المتحدة، وإلا فإن النظام العالمي سيبدأ بالتفكك» . ولما فشل المجلس في اتخاذ أي إجراء، بسبب الموقف الروسي، سارعت نائبة المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماري هارف، إلى التعبير عن: «تشكك (ها) فيما إذا كان المجلس هو المكان المناسب للتصدي للحرب المستمرة منذ عامين» . ومن جهته؛ وصف الكاتب البريطاني، بول فاليلي، في مقالة له في صحيفة «ذي إندبندنت أون صنداي - 8/ 9/2013» البريطانية، مجلس الأمن الدولي بأنه «معطل» ، ونسبت الصحيفة إلى سفيرة الولايات المتحدة الأممية، سمانثا باور، قولها: «إن المجلس لم يعد يقوم بالواجبات التي نشأ من أجلها في أعقاب الحرب العالمية الثانية» . وأشارت إلى أن: «النظام الأممي اُبتكر عام 1945 للتعامل مع التهديدات من هذا النوع في المقام الأول» .. (لكن) .. «مجلس الأمن الدولي لا يقوم بمنع الأخيار من السيطرة على أفعال الأشرار وكبحها، ولكنه يتيح لروسيا استخدام حق الفيتو من أجل حماية حليفها الأسد، رغم إمعان الأخير في ذبح المدنيين بدم بارد وبالغازات السامة» ،
(2) «تقرير مراجعة استراتيجيا الأمن القومي لسنة 2010» - صدر في 2/ 6/2010.