الصفحة 46 من 56

الابن، القائلة «إما معنا أو ضدنا» ، فضلا عن استملاكها لأدوات القوة، من أمن وعسكر وتعليم وإعلام وقضاء وقوانين وتشريعات، حتى صارت الدولة أقرب ما تكون إلى «الدولة الأمنية» .

لكن تفجر الثورات الشعبية عرَّض الدولة لأخطر اختبار مشروعية في تاريخها. فقد شكلت الثورات التجلي الأبرز لاستنزاف «الشرعية الاجتماعية» [1] التي استحوذ عليها النظام لعقود مضت، بكل وسيلة. ففي حديثه عن انهيار منظومة «سايكس - بيكو» ، لم يتردد كبير الباحثين في معهد كارنيجي، البروفيسور يزيد صايغ، في القول بأن: «هناك تسع دول عربية تخوض اليوم حروبا داخلية كما هو الحال في سوريا والعراق وليبيا، أو مع جيرانها كما هو الحال في اليمن، وهي مؤشرات ذات دلالات سلبية خطيرة على وضع الدولة العربية القطرية» . ومع أن الأمر غدا «مقلقا ومفجعا» إلى حد التصريح بـ «احتمال زوال الدولة كدولة» ، بحسب صايغ، فإننا: «ما زلنا في مراحل أولى من عملية تاريخية كبيرة وطويلة فيها الكثير من الحرب والنزاع المسلح» ... بل و: «في ظل المشكلات والصراعات التي تشهدها الدول العربية لم يعد هناك إجماع أو حد أدنى من القبول المجتمعي لماهية الدولة، بعد أن انهار أو أوشك العقد الاجتماعي بين الأنظمة الحاكمة والشعوب، خاصة أن تلك الأنظمة فشلت في توفير الحد الأدنى من الخدمات الضرورية لهذه الشعوب مقابل تمسكها بالسلطة» [2] .

لذا؛ ورغم أن المجتمعات العربية قابلة للانقسام على أسس دينية وطائفية وقبلية وجهوية وحتى أيديولوجية،

بما يمَكًّن الحاكم من اللعب عليها والاستفادة من بقايا الشرعية إلا أن الاستئثار بها مجددا بنفس الشروط، يبدو ضربا من الخيال. فما الذي تَبَقى أصلا من شرعية للنظام أو الدولة قبل التفكك وإعادة التركيب؟

· بقيت بعض شراذم القوى السياسية، التي كانت لعقود طويلة من ألد الخصام! لكنها بعد الثورات صارت حليفا استراتيجيا للنظم السياسية. ولعل أبرز هؤلاء هم اللبراليون ومنتجاتهم من الأيديولوجيات القومية واليسارية والعلمانية. فهؤلاء إما أنهم واقعون أسرى لأيديولوجياتهم واختياراتهم الفكرية، ردحا طويلا من الزمن، حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، واستعصى عليهم الخروج من دوغمائيتهم، وإما أنهم من ذوات الهوى الذين فضلوا التحرر على الإسلام ولو شكلا. بل أنهم على استعداد لعمل فورمات للدين والحضارة والتاريخ.

· كما بقيت الطوائف الاجتماعية التقليدية كالنصرانية التي تعتقد أنها تجد في «الدولة القومية» العلمانية

(1) في تقييم صريح أُعطي للجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي قدمه رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال مارتن ديمبسي، في 7/ 7/2013، تحدث فيه عن النظم العربية مشيرا إلى أن: «العديد من الحكومات تكافح من أجل الشرعية السياسية؛ لأنها ليست حكومات تعددية ولا هي حكومات مسؤولة أمام مواطنيها» . للمتابعة:

(2) «هل يواجه العرب سايكس بيكو جديدة؟» ، 19/ 11/2015، برنامج «بلا حدود» ، موقع الجزيرة نت»، على الشبكة: http://cutt.us/GbmE

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت