لذا فإن أي فعل بحجم الثورات العربية التي اندلعت وقائعها الأولى من تونس في 14/ 12/2010 ستكون له ارتداداته الطاحنة عاجلا أم آجلا، هنا في المنطقة وفي أي مكان آخر في العالم. بل سيكون من العبث النظر إليها بمعزل عما يجري في العالم سواء على مستوى الأزمات المالية الطاحنة التي تضرب المنظومة الرأسمالية المهيمنة، أو على مستوى نظم الاستبداد المستوطنة في العالم العربي منذ عشرات العقود. وسيكون من العبث أيضا النظر إلى الثورات المضادة التي تجتاح دول الثورات، على الأقل، كما لو أنها نهاية المطاف لما أسمي إعلاميا بـ «الربيع العربي» ، بحيث يمكن القول أو الركون إلى القول بأن الثورات فشلت، أو الاعتقاد، عبثا وغطرسة، بأن نجاح الانقلاب في مصر شكل ضربة ساحقة لها.
قد يكون واردا الاعتقاد؛ بأن حزبا ما أو حركة أو جماعة فشلت وتلاشت لأسباب سياسية أو أيديولوجية أو مالية أو اجتماعية أو ثقافية ... لكن الحديث عن فشل جموع بشرية تزامنت فعالياتها في أكثر من مكان، وتجاوزت في بنيتها وغاياتها ومضامينها، كل الأيديولوجيات أو الانتماءات السياسية أو الولاءات هو اعتقاد لا يمكن أن يصدر (عن) أو يجد له موضعا إلا أن يكون الاستبداد بعينه. ذلك أن الحراك الشعبي العفوي، يعني بالضرورة انتفاء كل أو أغلب أسباب الاحتواء، وفي المقابل لا بد أن يعني توفر كل أو أغلب أسباب الانتفاض المتراكمة في الذاكرة الشعبية، سواء على مستوى الفرد أو الجماعة .. أسباب اجتهدت أدوات الاستبداد وآلياته في بعثرتها على مر السنين، إلى أن تَيسَّر لها الاجتماع، ولو في الحد الأدنى، وفي لحظة معينة من الزمن، لتنفجر في صيغة ما من الصيغ.
فإذا انتظمت الأحداث في الذاكرة الجماعية، بعد تشتيت طويل، سيكون من شبه المستحيل محوها أو السيطرة عليها، كونها تغدو جزء من الوعي المتراكم في الذاكرة، والخبرة التي تساهم في توجيه السلوك الجمعي حاضرا ومستقبلا. فالحقيقة التي لا يجب أن يماري بها أحد؛ أن الذاكرة الشعبية غدت عاجزة عن الاستمرار في دعاوى التبرير التي شرُعت عقودا للنظم السياسية، وتجاوزت عن المظالم لأسباب عديدة، وغضت الطرف إلى حد الاستغفال، لكنها فاضت بما اختزنت، ولم تعد تتسع لمزيد من الخداع والتضليل والمجاملات والمداهنات والنفاق والكذب والتزوير وألوان التحريف وصنوف القهر والفقر والعدوان والبغي والظلم والنهب وما إلى ذلك من فنون الاستبداد.
وفي السياق، لم يعد مهما القول بأن «الربيع» تحول إلى خريف أو شتاء أو جليد [1] ، ولا يهم الزعم والمكابرة
(1) من الطريف حقا أن يتحدث وزير الدفاع اليهودي، موشيه يعالون، في مقابلة مع محطة الـ «BBC - 24/3/2015» =
= البريطانية قائلا: «إن ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط هو زلزال جيوسياسي سيهز استقرار المنطقة لفترة طويلة في تقديرنا، نحن لم نسمه أبدا ربيعا عربيا أو زمهريرا إسلاميا، فالوضع أكثر تعقيدا ... الوضع لا يرتبط فقط بتهديدات تنظيم الدولة الإسلامية أو جبهة النصرة أو إيران، بل ينطوي على فرص كبيرة» .