الصفحة 9 من 56

قد يكون مألوفا أن تشرع الثورات العربية بتدشين الشعار الأول لها «ارحل» ليعبر عن المرحلة الأولى، التي عليها أن تخوضها وتقطعها، قبل أن تصل إلى المرحلة الثانية، وهي «إسقاط قواعد النظام» . وبقليل من التأمل سنلاحظ يقينا أن الثورة المصرية، بوصف مصر مربطا ثقافيا، بدأت من المرحلة الأولى، لكن في خضمها وقبل أن يرحل الرئيس المصري حسني مبارك، كانت أول ثورة ترفع شعار المرحلة الثانية «الشعب يريد إسقاط النظام» !! وهو الشعار الذي بدأت الثورات الأخرى، وحتى الاحتجاجات، برفعه. وهذا يعني أن الشعوب كانت تدرك حركتها، ومراحل عملها حتى لو كانت بلا قيادة. أما الثورة السورية، صاحبة «المربط الأمني النصيري» في الشام والموازي لـ «المربط اليهودي العسكري» في بيت المقدس، فلم يكن أمامها من سبيل إلا الانطلاق من المرحلة الثالثة والأخيرة، «إسقاط قواعد الهيمنة» ، سواء علم قادتها بذلك أو لم يعلموا، وسواء رغبوا أو لم يرغبوا. لأن إسقاط حكم الأسد، هو في المبدأ والمنتهى إسقاطا لـ «المربط الأمني» الطائفي، وإسقاطا للطائفة ذاتها، وبالتالي إسقاطا لعمود مركزي من أعمدة النظام الدولي، أو خلع وتدا من أوتاده. ودون ذلك فالحديث سيغدو مضيعة للوقت والجهد، أشبه ما يكون بانتفاضة فلسطينية تطالب برحيل رئيس حكومة «إسرائيلية» ، أو اليهود من فلسطين!!!! فكيف ستكون المواجهة سلمية من الأساس!!؟ وعليه فإذا كان من المستحيل أن يقول الفلسطينيون بذلك، فمن المستحيل أن يكون ذلك ممكنا مع الأسد أو النصيرية في الشام. وتبعا لذلك لا بد من الإقرار بأن الثورات في «دول المرابط» لا يمكن أن تنطلق سلمية وتستمر، حتى لو بدأت كذلك.

كل التصريحات الغربية، لاسيما الروسية منها، وحتى السورية الرسمية، قطعت الشك باليقين، وفي أوضح الكلمات والعبارات، ومنذ اللحظات الأولى، أن الثورة السورية ليست شأنا محليا، ولا يمكن أن تكون كذلك. ومع توفر العشرات منها موثقا في سلسلة «الثورة السورية ومسارات التدويل» ، إلا أنه لا ضرر من التذكير بنماذج منها.

ففي مقابلة واسعة مع صحيفة «وول ستريت جورنال - 1/ 2/2011» الأميركية تلقى الرئيس السوري بشار الأسد السؤال التالي:

كرئيس لسورية، كيف ترى ما يحدث في تونس ومصر والجزائر والأردن؟ كيف ترى المنطقة تتغير؟ وأخيرًا، ماذا يعني ذلك لسورية بالذات؟ فكان الجواب:

«إذا أردت أن تتحدث عن تونس ومصر، فنحن خارج هذا الأمر. وفي النهاية، نحن لسنا تونسيين ولسنا مصريين. لا

نستطيع أن نكون موضوعيين، ولاسيما أن الوضع ما زال ضبابيًا وليس واضحًا. إن الأمور لم تستقر بعد، ولذلك فإن أيًا كان ما تسمعه أو تقرأه في هذه المرحلة، لا يمكن أن يكون واقعيًا أو محددًا أو موضوعيًا».

لكنه في مقابلته مع صحيفة «الصندي التلغراف - 30/ 10/2011» البريطانية، كان «موضوعيا» وبلا «ضبابية» ، حين قال:

«إن سوريا اليوم هي مركز المنطقة .. سوريا مختلفة كل الاختلاف عن مصر وتونس واليمن. التاريخ مختلف، والواقع السياسي مختلف .. إنها الفالق الذي إذا لعبتم به تتسببون بزلزال، .. هل تريدون رؤية أفغانستان أخرى أو العشرات من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت