الصفحة 38 من 56

وتفكيك وإعادة تركيب. فقد مرت مائة عام على نشأة العصبة وهيأة الأمم، أولى بواكير النظام الدولي. ولأن (2) البشرية مرت في عدة أطوار من التغيرات الجذرية حضارية، (3) في حين لم تتغير القواعد المنشئة، ولا البنى المؤسسية، ولا آليات العمل، ولا السياسات المهيمنة، ولا الغايات، ولا المرجعيات، ولا القيم الحاكمة، ولا التقسيمات الظالمة، ولأن (4) فاعلين جدد ظهروا في العالم ومصالح جديدة، ولأن (5) ما بلي من القواعد والمرجعيات لم تتضمن في الأصل معالجة ما استجد من حركات اجتماعية وشعبية ومطالب حقوقية وأخلاقية وإنسانية شاملة، ولأن (6) النظام الدولي، كأحد السلع الرأسمالية، ولد وظل، هو ومنتجاته، موضع احتكار، وأداة سيطرة وتحكم، لقادة السوق، ولأن (7) العقائد والأديان لا يمكن أن تبقى مجرد سلع، تُزدَرى في أسواق الفلسفات الوضعية. فإذا كانت الرأسمالية ذاتها قد استنزفت؛ فهل يعقل أن يبقى الحديث عن إصلاحات وابتكارات لذات المنظومة أو في محيطها!!؟

... ولعلها أسوأ المناسبات الصريحة تلك التي كانت في أعمال «المؤتمر السنوي للأمن والسلم العالمي» ، والذي انطلقت فعالياته في 6/ 2/2015 في مدينة ميونيخ الألمانية، حيث كانت مناقشة (1) «انهيار النظام العالمي» من ضمن جدول الأعمال إلى جانب (2) «المسألة الأوكرانية» و (3) «محاربة الدولة الإسلامية» . وهو ما يؤكد أن النظام الدولي بات مسألة أمنية دولية بامتياز. وها هو منظم المؤتمر فهو الدبلوماسي الألماني السابق، فولفغانغ إيشنغر، يوضح بأن: «الاجتماع سيبحث الازدياد غير المسبوق بالأزمات العالمية خلال العام المنصرم، وعدم قدرة المجتمع الدولي على مواجهتها» . وبخلاف الرئيس الأمريكي الذي تحدث عن «بداية تصدع في الشرق الأوسط ومناطق من شمال أفريقيا» ابتعد إيشنغر عن اللغة الدبلوماسية ليشير إلى أن: «النظام العالمي ينهار حاليا» ، وما يجري في الواقع هو أن: «الجميع يختبر القدرة على المواصلة» ، لافتا إلى أن مصادر التهديد تكمن في: « (1) نفوذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأوكرانيا، و (2) الصين في مواجهة اليابان، و (3) إيران في الملف النووي، و (4) الجهاديون بأفعالهم الفظيعة» . أما «مجموعة الأزمات الدولية» فأكدت بأنه: «على الصعيد العالمي، تبدو الزيادة في التنافس الجيوسياسي، في الوقت الحاضر على الأقل، وكأنها تتجه نحو عالم أقل سيطرة وأقل قابلية للتنبؤ» .

وعلى ضوء الأزمة الأوكرانية التي مثلت بحسب المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل (24/ 8/2014) «أخطر تهديد لاستقرار أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية» عبرت صحيفتا «الغارديان» و «صنداي تايمز» البريطانيتان في 15/ 2/2015 عما يشبه حالة الفزع، من فوضى قد تعم أوروبا قريبا. ففي «الغارديان» كتب مدير مركز «كارنيغ» بموسكو، ديمتري ترينين، يقول بأن: «التوقعات ترجح أن المستقبل المنظور لن يشهد وجود نظام أمني مشترك في أوروبا، وأن عدم الاستقرار سيدخل إلى هذه القارة التي ظلت فترة طويلة أكثر مناطق العالم استقرارا وأمنا» . وخلص إلى القول بأن: «أزمة أوكرانيا تشير إلى بدء فترة جديدة في السياسة الدولية، إذ أن دولا كبيرة تهدد النظام الدولي الحالي الذي تهيمن عليه أميركا، والنزعة الوطنية تتصاعد في أماكن تمتد من تركيا إلى الهند واليابان وتهدد بالمزيد من التآكل للهيمنة الأميركية» .

في السياق، وحيث تتوجه الأنظار نحو مصير الولايات المتحدة في ظل الخطر المتربص بالنظام الدولي، يخرج أكاديمي يمايز بين «الهيمنة» و «التفوق» الأمريكي. هذا ما يعتقده مساعد وزير الدفاع ورئيس مجلس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت