من جهته يقر الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي (الناتو) ، javier-solana، في مقالته: «سنوات العيش تكتيكيا [1] - 27/ 10/2014» بفشل استراتيجي يتحمله مهندسو النظام الدولي بعد الحرب الثانية. وفي ضوء الأزمات التي يعاني منها النظام ينطلق Solana من تقييم حالة الانتقال من الثنائية القطبية إلى التعددية فيقول: «الواقع أن النظام الدولي، مع تقدم التحول نحو التعددية القطبية، أصبح غير مستقر ومتوترا على نحو متزايد، ثم أتت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 لكي تتفاقم حالة عدم اليقين وانعدام الثقة، الأمر الذي أدى إلى تعطيل اتجاهات مثل العولمة» .. لكن «المشكلة الكبرى كانت فشل البلدان المتقدمة، التي تولت هندسة النظام الدولي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في صياغة إستراتيجية شاملة في التصدي للتحديات العالمية وإدارة عملية الانتقال إلى نظام دولي جديد» . والسبب أن: «الغرب سمح للمخاوف التكتيكية القصيرة الأمد بعرقلة تطور الرؤية الإستراتيجية الأطول أمدا» . لهذا فـ: «ليست روسيا وحدها التي أدارت ظهرها للحداثة الغربية ... كما أن الغرب لم يكن مستعدا لتقهقر القوى العالمية والبحث عن المستقبل في الماضي ... وتتلخص مسؤولية بقية العالم في بناء خلفية مستقرة ... نظام دولي شامل حيث تلتزم الدول بالقواعد والمعايير نفسها» .
وكنماذج أخرى من المناقشات الدائرة حول مصير النظام الدولي؛ عنونت المديرة السابقة للتخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية، anne-marie-slaughter، مقالتها بسؤال: «كيف يُحكم عالم أفلت زمامه؟ - 31/ 10/2014» يوحي بأن النظام الدولي وليس فقط النظام الإقليمي انفلت من عقاله. وبخلاف joschka fischer الذي أشار إلى أمريكا وأوروبا كمركز للمناقشات الدائرة حول النظام الدولي، تنقل slaughter رأيا لعجوز السياسة الأمريكية، هنري كيسنجر، يرى فيه أن: «التصورات المتنافسة للنظام العالمي منتشرة ليس فقط في الشرق الأوسط، بل وأيضا في آسيا» ، ويرى أن القواعد الدولية إما أنها تتحطم كما تفعل روسيا بوتين التي: «تكسر القواعد الدولية صراحة» دون أن: «تكلف نفسها عناء تبرير تصرفاتها بموجب القانون الدولي، بل إنها تتفاخر باستعادة الأراضي التي حكمها الكرملين ذات يوم وتهدد باستخدام القوة لحماية المنتمين إلى العرق الروسي من تهديدات مزعومة» ، وإما أنها في الطريق إلى التحطيم كما سيكون الحال مع الصين التي: «تلعب حاليا وفقا للقواعد الدولية» ... لكن كيسنجر يتساءل: «مع تنامي قوتها ومطالبتها بما تعتقد أنها مكانتها التاريخية في آسيا والعالم، فإلى متى قد تنتظر (الصين) قبل أن تصر على إعادة صياغة القواعد الدولية؟» . وتختم slaughter مقالتها بفقرة بالغة الصراحة حين تقول: «الواقع أن مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد كافية، وقد حان الوقت لإصلاحها وابتكار هياكل وأدوات جديدة مصممة لمعالجة المشاكل العالمية» .
لكن؛ وبعد نحو عام من استشهادات slaughter، وبضعة أسابيع من الإعلان الرسمي عن التدخل
الروسي في سوريا (15/ 9/2015) ، كتب كيسنجر نفسه، مقالة في صحيفة «وول ستريت جورنال -18/ 10/2015» ، توقف فيها عند سلسلة الأزمات الطاحنة التي تضرب المنطقة والعالم، وكذا الدور الأمريكي، وما يجب القيام به. والحقيقة أن مقالته بدت، في شموليتها، وكأن الرجل، الذي بلغ من العمر عتيا، يحرص على قول آخر الكلام قبل أن يرحل عن عالم الدنيا. وعلى خلفية ما أفرزته حرب تشرين أول/أكتوبر سنة 1973 من «نظام استقرار» في المنطقة، امتد طوال أربعين سنة، يرى كيسنجر أن: «الشرق الأوسط السني بات عرضة لخطر الابتلاع من أربعة مصادر متزامنة، هي: (1) إيران التي يحكمها الشيعة وما لديها من إرث إمبريالي فارسي، و (2) الحركات الراديكالية