فمثلُ هذا فرضُه التقليدُ في الأحكامِ والنوازلِ إجماعًا، ولا يجوزُ له التصدُّرُ لها، وقد قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، قال الحافظُ أبو عمر ابن عبد البر - رحمه الله- بعد ذِكرِه آثارًا عن السلفِ في ذمِّ التقليدِ: (وهذا كلُّه لغيرِ العامَّةِ؛ فإنَّ العامةَ لا بُدَّ لها مِن تقليدِ عُلمائها عِندَ النازلةِ تنزلُ بها؛ لأنَّها لا تتبين موقع الحجةِ، ولا تصل بعدمِ الفَهمِ إلى عِلمِ ذلك؛ لأن العلمَ درجاتٌ لا سبيل مِنها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامَّة ِوبين طلبِ الحجةِ، والله أعلم.
ولَم تختلفِ العلماءُ أن العامَّة عليها تقليدُ علمائها، وأنَّهم المرادون بقول الله عز وجل (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، وأجمعوا على أنَّ الأعمى لا بُدَّ له مِن تقليدِ غيرِه مِمَّن يثقُ بمَيزِه بالقِبلةِ إذا أشكلت عليه، فكذلك مَن لا عِلمَ له ولا بصرَ بمعنى ما يَدين به؛ لا بُدَّ مِن تقليدِ عالِمِه.
وكذلك لم يختلف العلماءُ أن العامةَ لا يجوز لها الفتيا، وذلك -والله أعلم- لجهلِها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقولُ في العلم) [جامع بيان العلم 2/ 230] . وهذا مع عمومِه على المؤهِّلِ في الأحكامِ، يتأكَّدُ في المسائلِ دقيقةِ المنزعِ كتفصيلاتِ ما يُعتبرُ مِن الأوصافِ مانعًا، واعتبارِ الأحوالِ والقرائنِ والاحتمالاتِ ونحو ذلك، وفي المسائلِ جليلةِ القدْرِ كمسائلِ تكفيرِ الأعيانِ وقتالِ الطوائفِ، والسياسةِ الشرعيةِ التي زلَّ فيها علماءُ لم يجاهدوا، ومجاهدون لم يَعلموا، وعلماءُ مجاهدون لم يستشيروا؛ فزلُّوا وخالفوا الشريعةَ وأفسدوا مِن حيثُ لَم يشعروا .. فأينَ مِن مراعاةِ هذا بعضُ إخوانِنا -الذين تظهرُ عامِّيَتُهم في كلماتِهم- إذ يفتونَ بكفرِ أقوامٍ واستباحةِ دمائهم؟ بل قد رأيتُ مَن ينهى مستفتيًا في دماء عن الاستفتاء فيها قبلَ سفكِها، ورأيتُ مَن يصرِّحُ بأنَّه لا ينتظرُ فتاوى العلماء ليَحكم، ورأيتُ مَن يحرِّضُ على نساءِ وذُرِّياتِ القومِ، فما دينُ الخوارجِ إن لم يكن هذا دينُهم؟
ولا يؤهِّلُ المرءَ للفتيا في هذه المسائلِ العِظامِ أن يحصِّلَ مِن العلمِ طرفًا أو يعرفَ من الأدلةِ ظاهرًا يستدلُّ به؛ فليحذر إخوانُنا من الاغترارِ بما يزيِّنُ به هؤلاءِ أقوالَهم، فلا يكادُ الباطلِ يكونَ محضًا بل يشوبُه حقٌّ ويستدلُّ له بما يظنُّه صاحبُه دليلًا مِن عامٍّ خُصَّ أو متشابهٍ أُحكِمَ أو قاعدةٍ عامةٍ ونحو ذلك .. ولا يَغترَّ إخواننا بأن وَجَدوا عندَهم ما جهلوه هُم فيظنوهم من أهلِ العِلمِ؛ فإنَّ الجاهلَ لا يرى مَن هو في العِلمِ فوقَه إلا وظنَّه عالِمًا، ولا يكادُ يميِّزُ بينَ العالِمِ وغيرَه، وكَم اغترَّ شبابُ الإسلامِ قديمًا وحديثًا بمَن عندَه شيءٌ مِن آثارِ العِلمِ يجادلُ بها فظنوه عالمًا، والواجبُ على هؤلاءِ: أن لا يثقوا إلا بمن وثَّقَه أهلُ العِلمِ وصيارفتُه، وأذنوا له بالاجتهادِ