والفتيا، فهؤلاء هم مَن يقلِّدُ مِنهم العاميُّ أوثقَهم عندَه ديانةً وعِلمًا.
وليس المقامُ مقامَ بسطِ الكلامِ في هذه الآفةِ التي أصابَت الصحوةَ الإسلاميةَ بتياراتِها كافةً ردًّا على متعصِّبةِ المذاهبِ المقلِّدةِ، أعني آفةَ نبذِ التقليدِ مطلقًا، ودعوى الاجتهادِ مِمَّن ليس بأهلٍ، وجعلِ الاجتهادِ في الدينِ وأحكامِه مباحًا للمثقِّفِ والمبتدئِ بل العاميِّ، إلا أنَّ مرادي من الإشارةِ إليها تقريرُ أنَّ الواجبَ على إخوانِنا أن يتقوا اللهَ، ويتحرَّوا ما عليهِ علماؤهم، ولا يجتهدوا في الفتيا، وأن يحذروا أن يغتروا بأنصافِ المتفقِّهةِ، أو أن يتبعوا فتاوى المجاهيل، أو يتأثروا بما رأوا الكثرةَ عليه؛ فإنَّ الكثرةَ مِن العامةِ في الفتنِ كقطراتِ الماءِ المجتمعةِ، تتوجَّهُ تيَّارًا قويًّا مندفعًا حيثُما حُفِرَ له يجرفُ الشَّجرَ الرَّاسخةَ جذورُه.
إنني اليومَ أدعوكم إلى ما دعاكم إليه من قبلُ مجددو دينِ الأمةِ في التوحيدِ والجهادِ .. فعليكُم باتباعِ أهلِ العِلمِ الثِّقاتِ، وعليكُم بأهلِ الاتزانِ والعقلِ مِنهم، وما أكثرَهم! فهذا أبو يحيى الليبيُّ، وهذا عطيةُ الله، وهذا أبو الوليد الأنصاريُّ، وهذا أبو اليزيد -وهو طالبُ علم-، وهذا أيمنُ الظواهري -وهو مِن أهل الحكمة والتجربة، ولا يصدر إلا عن أهل العلم-، وهذا أبو قتادةَ الفلسطيني، وهذا أبو بصير الطرطوسي، وهذا أبو محمد المقدسي، وغيرهم كثير .. لم يذهب منهم أحدٌ إلى تلك المذاهب البعيدةِ عن الشرعِ والحكمةِ، نعم قال بعضُهم بكفرِ رؤوسِ حماس، وهو في هذا مخطئٌ، ومخالفٌ لأكثرِ إخوانِه، إلا أنَّ أحدًا مِنهم لم يقل بكفرِ المنتسبين إلى حماس كافةً، ولم يفتِ أحدٌ مِنهم -فيما أعلم- بقتالِها ابتداءً وإعلانِ الحربِ عليها، وأكثرُهم قد عذروا القومَ -ولم يصوِّبوهم- في تركِهم الحكمَ بالشريعةِ بتأولاتٍ ظنَّوا بها أنَّ لهم رخصةً وأنَّهم عاجزين ومكرهين، وأنَّهم بما يفعلون يتدرجون في التطبيق ... إلخ؛ ووجه الشركِ في الحكمِ هو الخروجُ عن شريعةِ اللهِ والحكمُ بغيرِها، وهم قد تأولوا أنَّ ما هم فيه من الخروج عن الشريعةِ هو عين ما تأمرهم به الشريعة؛ وهذا يجعلُ التأولَ -في هذا المحلِّ- مانعًا معتبرًا لو تحقَّقَ، وهم -كما قدمتُ- لهم التأولات المذكورة وغيرُها، وهذا ما قدَّره أهلُ العِلمِ فعذروهم به ولم يكفروهم مع إنكارِهم عليهم وإبطالِهم لمذهبهم، قد حُفِظَ عن كثير من العلماءِ المجاهدين وطلبةِ العلمِ منهم إعذارُ هؤلاءِ مع وقوعِهم فيما وقعوا فيه، مِنهم الشيخ أبو الوليد الأنصاري، وعطية الله، والشيخ العالِم المحقق أبو قتادة، والشيخ أبو يحيى، والشيخ أبو اليزيد، (بل والشيخ أبو النور نفسه) ، وغيرهم، فضلا عن مشايخِ غيرِ ما يسمى بتيار الجهادِ ممن ناصح حماس وأنكر عليهم سبيلَهم، كالشيخ ابن غنيمان، والشيخ ابن جبرين رحمه الله، والشيخ الحوالي، والشيخ الطريفي، والشيخ الصادع بالحقِّ الملقب بفقيه مصر محمد ابن عبد المقصود شفاه الله، وكثيرٌ غير هؤلاء .. فتحرَّوا لدينِكم هو أتقى لكم، وقدِّموا مِن العلماء