ماذا يعني هذا الشعار؛"لمصلحة من يُصد الناس عن الإنتخابات"؟!
[الكاتب: إبراهيم بن عبد العزيز بركات]
في بيان وزع في مدينة القدس، بتاريخ 6/ذو الحجة، تحت هذا العنوان؛ أكد على ضرورة مشاركة المسلمين بانتخابات المجلس التشريعي، متسائلًا؛ لمصلحة من يُصد الناس عن الانتخابات؟ معتبرًا المرحلة الحالية؛ مرحلة حاسمة، لا بد فيها من أن يسمع كل مسلم صوته، مستغربًا من وجود فئة من الناس تدعو إلى عدم المشاركة في الانتخابات، معتبراّ ذلك طعنًا في العلماء والدعاة، وذوي التضحية والإخلاص.
ولا شك من أن كل من يقرأ هذا العنوان يعلم يقينًا أن الذين يدعون الناس إلى عدم المشاركة في الانتخابات يعملون لصالح إسرائيل وأمريكا والدول المحالفة لها.
لذا فإنني أتسأل؛ ماذا وراء هذا المنشور، ولماذا توجه الحركة الإسلامية هذا الخطاب لأهل القدس خاصة، معتبرة كل من خالفها عاملًا لمصلحة إسرائيل؟ ألم تمتنع حماس في عام 96 من المشاركة في انتخابات المجلس التشريعي؟ معلنة حرمة ذلك، لما فيه من إجحاف لحقوق الشعب الفلسطيني.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، قرأت في صحيفة"منبر الإصلاح"، العدد الرابع عشر، صفحة،5 تحت عنوان؛"لماذا حماس في التشريعي؟"، بقلم ثامر سباعنة: (النقطة الأولى: عندما لم تشارك حركة المقاومة الإسلامية حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 1996 لم يكن ذلك بناء على فتوى دينية، إنما بناء على موقف سياسي تجاه اتفاقيات أسلو. ورفض لسلسلة التنازلات التي كان يقدمها المفاوض الفلسطيني، بالإضافة إلى أن حماس تستند بأفعالها وأقوالها للشرع والدين الإسلامي الحنيف وليس لرغباتها أو أهواء أفرادها كما يدعي البعض، فإن خطوة كخطوة دخول حماس للمجلس التشريعي لا بد من أن ترجعها حماس للإفتاء وضمن الضوابط الشرعية) أهـ.
فحماس لم تمتنع عن دخول المجلس التشريعي عام 1996 لحرمة ذلك شرعًا، بل لمواقف سياسية متعلقة باتفاقيات أسلو، وهي اليوم ترى جواز المشاركة سياسيًا رغم ما صرح به أبو مازن - محمود عباس - من كون المشاركة في السلطة لا بد وأن تستند إلى اتفاقيات أسلو.
فقد نشرت"قناة الجزيرة"عن أبي مازن، بتاريخ 15/ 1/2006، تحت عنوان"عباس لا يزال عند موقفه من إجراء الانتخابات بموعدها"، ما يلي: (وفيما يتعلق بمشاركة حماس في الانتخابات، قال عباس في المقابلة الخاصة التي أجرتها الجزيرة معه؛ إنه لا يمكن تجزئة الخيار الديمقراطي، وإن من ينجح في الانتخابات سيصبح داخل المجلس التشريعي، ولكن على أرضية اتفاقيات أوسلو وخيار السلام) أهـ.
فالسلطة الوطنية لا زالت متمسكة باتفاقيات أوسلو، معتبرة أن الالتزام باتفاقيات أسلو شرطًا للمشاركة في السلطة الوطنية.
وإني لأتساءل؛ إذا كانت حركة المقاومة الإسلامية حماس لم تشترك في انتخابات المجلس التشريعي عام 1996، وأفتت بحرمة المشاركة، وشددت على المشاركين، لا من منطلق شرعي، بل من منطلق قيام المجلس على اتفاقيات أسلو، فلمَ تشارك اليوم في هذه الانتخابات التي تقوم على الاتفاقيات نفسها، بل على أسوأ منها، وهي"خارطة الطريق"؟!
إذا كان المشاركون في انتخابات المجلس التشريعي عام 1996 آثمين متنازلين عن الثوابت الشرعية والوطنية، داعمين للمخططات الاستعمارية، فلمَ الممتنعون عن المشاركة في المجلس التشريعي اليوم؛ متخاذلون آثمون صادون عن الحق، والقاعدة التي انطلق منها المجلسان واحدة؟!
لماذا ارتفعت أصوات العلماء المخلصين، والدعاة العاملين، والمجاهدين الصادقين، عالية منادية بتحريم المشاركة في المجلس التشريعي الأول، مطالبين بمقاطعتها واتهام أصحابها، ثم تنقلب الأمور اليوم رأسًا على عقب؟ فإذا كان المنطلق التي انطلقوا منه ليس منطلقًا دينيًا، فلماذا أصبح اليوم منطلقهم منطلقًا دينيًا على الأسس نفسها؟
لماذا كان الداعون إلى مقاطعة المجلس التشريعي الأول؛ علماء مخلصين صادقين، ثم اليوم يتهمون بالتخذيل والتضليل والجهل والنفاق؟
يا قومنا ...
إن كان المنطلق منطلقًا شرعيًا، فالحكم واضح لا مجال للتلبيس فيه، وقد بينا الحكم مفصلًا برسالتنا"حكم المشاركة في المجلس التشريعي"، وإن كان المنطلق منطلقًا وطنيًا، فهل من المصلحة الوطنية احترام اتفاقيات أسلو؟ هل من المصلحة الوطنية الالتزام بخارطة الطريق؟ هل من المصلحة الوطنية تغييب أبرز نقاط الخلاف، كقضية القدس واللاجئين وغيرها؟
بل أقولها وبكل صدق وصراحة، هل من مصلحة الحركات الإسلامية المحافظة على المصالح الوطنية النتنة المفرقة للأمة الواحدة، المتحاكمة إلى أنظمة الكفر والطاغوت؟
يا قومنا؛ ما لكم كيف تحكمون؟!
إن المستفيد الوحيد من هذه المشاركة؛ هو الكفر، فما قامت السلطة إلا على المباركات الغربية الرامية إلى محاربة الإسلام وأهله.
وإن الخوض في ما يشتهي الكافر تكريس لزندقته وعناده وتجبره، ومهما حاولت الحركات الإسلامية يائسة من تحسين مظهرها أمام أعدائها، فلن يزيدها ذلك إلا ضعفًا ووهنًا وذلًا، فإن اليهود والنصارى لن ترضى عن هذه الأمة إلا بأن تتبع الأمة ملتها، لقوله تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 120] .
فالله سبحان يبين بيانًا واضحًا؛ أن الكفار لن يرضوا عن المؤمنين حتى يكفر المؤمنون، وخروج المؤمنين من الملة أمر مستبعد، لذا لم يقل سبحانه:"ولأن اتبعت ملتهم"، بل قال: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم} ، فالمسلم قد يتبع أهواء الكفار مع بقائه على عقيدته.
لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل مثلا بمثل، حذو النعل بالنعل، حتى لو كان فيهم من نكح أمه علانية كان في أمتي مثله) [أخرجه الحاكم: 1/ 129] .
وفي حديث آخر عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله) .
وقد توعد الله سبحانه كل من يتبع أهواء الكافرين من المسلمين بالتخلي عنهم وتسليط الكافرين على رقابهم، فكيف يمكن للأمة أن تغير ما بها من ذل وهوان وصغار، مع موافقتها لأهواء الكافرين؟
أوَ ليس المجلس التشريعي من أهواء الكافرين وسياستهم التضليلية؟
يا قومنا ...
نحن لسنا ضد الإصلاح والتغيير، ولسنا ضد حركة معينة، لكننا ضد كل أمر يحول دون رجوع المسلمين إلى سابق عزهم ومجدهم.
وإننا لعلى يقين بأن المجالس التشريعية بأشكالها كافة، تقوم وفق أنظمة الشرعية الدولية وشروطها، وإن هذه الأنظمة لا تعمل إلا لمصالح الكفر والاستعمار، فحري بنا أن ننأى بأنفسنا عن هذه المجالس لنبعد عن أنفسنا الشبه، حري بنا أن لا نكون دواعم ثابتة لمخططات أعدائنا.
بل حري بنا أن نتوقف عن مهاجمة المخالفين لنا، واتهامهم بالتخاذل والجهل والتفريق، وعلينا جميعًا أن نتقي الله ربنا ونعمل معًا لمصلحة الأمة الإسلامية على أسس شرعية صحيحة، لا على أسس قومية وطنية لا تزيد الأمة إلا ضلالًا وتفريقًا.
هداني الله والمسلمين جميعهم إلى ما يحبه ويرضاه.
وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم