فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 269

أحاديث ووقائع ...

تغطرَسَ حَتَّى صَارَ يَهْزَأُ بالبَدْرِ ... الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين.

وبعدُ ...

فإنّ من هوان الدنيا على المرءِ في هذه الأيّام أن يتطاول الأقزام على الكرام، ويستعليَ الصِّغَارُ على الكِبار، ويتندَّرَ الأطفالُ بالأبطال:

إلى الله نشكو، فالدُّجَى في زماننا

وإما مماتٌ يغيظ العدا ... لستُ بحاجة إلى أن أعيدَ كثيرًا مما كُتِبَ في شأنِ ما جرى بين الشيخ الوقور أيمن المنصور حفظه الله بحفظه، وبين قادة وأعضاء حماس وأنصارها عقبَ الكلمة الصافية والنصيحة الوضيئة التي عقّب بها عليهم"فلسطين شأننا وشأنُ كلُّ مسلم"، وبيّن لهم فيها حقيقة المنزلق الذي ينزلقون فيه، والهوَّة التي ينحدرون إليها، وقد كان حذّرهم مرارًا فما أصاخ السمع له أحدٌ منهم إلا بمقدار ما يقولون: قد سمعنا كلامك فاسمع غير مسمع.

فلَمَا أن ضاق الشيخ بهم، وكشفت للعالم ألاعيبهم كان على الشيخ لزامًا أن ينصح للأمّة ويبين للمخلصين، ويوضِّحُ الأمر للمخدوعين، استمرارًا في دوره التصحيحيّ الذي عهدناه عنه مذ سلك هذا الدَّرب، وهاجر في سبيل الله بنفسه وأهله وماله - نحسبه والله حسيبه -

والشيخ أيمن شيخٌ جليل لا يرضى لنفسه ولا يرضى له غيره أن يرى مقدسات المسلمين تسلب، وأبناء الإسلام يذِلّون، وأعداء الدين يتسلّطون، وأهل الجهاد عن دربهم ينكصون، ثمّ يسكتُ ولا يبيّن، ويُحجِمُ ولا يُقدِم، فما نرضى له مثل هذا، ولا يرضاه لنفسه، وهوَ في موضعِ قيادة وريادة من الأمَّة لا يصلُحُ لمثله أن يخدعها، فيراها تسير في المهالك والمفاوز، فيضربُ صفحًا عن ذلك كلِّه، فإنّ الرائد لا يخدع أهله.

قلتُ: فلمّا وجّه إليهم الشيخ نُصحَه بالحكمة المعهودة من مِثْله يرعاه الله، أصابت منهم مقتلًا، ونكأت فيهم جرحًا فما كادت تجفُّ حروفه في لسانه حتَّى انطلقت حماسُ تحشد وتؤلِّبُ وترمي وتتهجَّم، وتستهزئ وتتندَّرُ، وتسفِّهُ رأي الشيخ، وتتهجَّم على تاريخه الناصع الصافي الأغرّ.

ولكن ماذا تقول لأمثال هؤلاء المساكين الذين يردّون على الحسنة بالسيئة، والنصح باللمز والهمز والكذب والادّعاء، والاعتذار بالسياسة الخرقاء، والشِّعارات الجوفاء.

إنّ من حق الشيخ أيمن ومن حقّ كلّ مسلمٍ أن ينتقد حماس ويهاجمها ما دامت ترضى بتحكيم غير شرع الله، وتقبل بالجلوس مع الخونة باعة فلسطين وعملاء اليهود، وتتنازلُ كلَّ يومٍ عن جزءٍ من الثوابت، فمتَى يحقُّ لأيمن وغيره أن يوجّه لها النقد، ويواجهها بحقيقةِ وضعِهَا، أينتظِرُ حتَّى تصبح كمحمود عباس وجبريل الرجوب ومحمد دحلان؟

فهؤلاء بدل أن يعقدوا ولايتهم مع المؤمنين، ويربطوا حبال ودّهم بالمرابطين، استبدلوا ذلك بالتعاون والتعاضد مع العملاء والمرتدّين، ووقفوا إلى جانب أعداء هذا الدين بكلّ صنفٍ ونوع، فتارة مع الروس، وتارة مع الرافضة، وتارة مع باعة المقدسات، وتارة مع المرتدين الخونة، وهكذا ... فقد استبدلوا موالاة المؤمنين بموالاة الكافرين.

ومن هنا وجَبَ على النّاس أن يظهروا أمرهم، وألا يُجَمْجِمُوا في ذلك، فإنّ الحقّ أولى من كلِّ أحد ...

ولو كانت الجماعة حريصة على وحدة الأمّة أو يهمها أمر المجاهدين، لما ظهر منها ما ظهر إلا أن الذي يظهر - والله أعلم - أن حرصها على إرضاء العملاء والدّخلاء والرأي العالمي والمجتمع الأممي، أهمّ وأسمى عندها من حرصها على الوحدة بين المسلمين والمجاهدين والأمثلة على هذا أكثرُ من أن تحصر، ولكنّ أنصار الجهاد ضربوا عن ذلك صفحًا لأنّهم لا يهتمّون بما يلحق ذواتهم، ولا يثورون لأشخاصهم وأنفسهم، فكانوا لا يعبئون بمواقف حماس ضدّهم، ولا يهتمّون بما تفعله وتقوم به، صبرًا عليها واعتذارًا لها بالأعذار الكثيرة ... ولكِنْ ما كلُّ شيءٍ يُعْذَرُ فيه، ولا كلُّ خطأ يُسكت عنه.

والعجيب أنّي رأيت كثيرًا من أنصارهم وقادتهم يلومون الشيخَ على نقده اللاذع لحماس بحجّة أنّهم قدّموا آلاف الشهداء، وأنهار الدّماء، وكأنّ الذي ينتقدهم ويحاول أن يصحح مسيرتهم لم يقدِّم شيئًا قط، ثمَّ دعونا اليوم ننظرُ منذ أن دخلتُم في الحكم والسلطة أين ما قدّمتموه من الشهداء؟! وفي أيِّ سبيلٍ أريقت الدِّماء، إنَّها إحقاقًا للحقّ لقد سالت دماءٌ كثيرة ممّن نحسبهم من المخلصين، ونتحسَّرُ عليهم، لا لأجل أنّها سالت ... ولكن لأجل أنّها سالت في سبيلِ حُكْمٍ موهوم، وسلطةٍ حقيرة، مذْ ركبوا على كراسيها ركب الذلُّ عليهم، وتحكَّم الناس فيهم، وصاروا يطيرون من قُطْرٍ إلى قطْرٍ يتشحّذون الأموال - ليستمرّ أداء الحكومة - والله المستعان.

إنّها حقيقة يا حماس؛ لقد غسل الكثيرون أيديهم منكِ منذ أن قررت دخول السلطة الوثنيّة، ورضيتِ بالقوانين الوضعيَّة، وقبلتِ بغير شرع ربّ البريّة، ولقد كان الشيخ أيمن حفظه الله ورعاه مبقيًا لحبال الودّ، مستمرًا على النّصح، حتّى لا يكادُ خطابٌ له منذ ما يزيدُ على السنتين يخلو من نصحِهِ لكُم، ولكنَّكُم طالما رددتم على نصحه بأنّكم أدرى بشؤونكم، وكأنيّ بكم تقولون بأنّه هناك في الكهوف والمغارات فما شأنه بفلسطين، وما يدريه عن الوضع الداخليّ، والضغوطِ الخارجيَّة، إلى آخر ما تردّون به عليه.

وإنّنَا نعيبُ على مثل الشّيخ أيمن حفظه الله أن يغطِّي عينه عن الشمس فيقول لا أراها ... وهي طالعةٌ، وما مثْلُه يفعلُ ذلك، فإنَّه لا يعرف المخادعة والنِّفاق، ولا يجِيدُ مثلًا أن يقول لعدوِّه؛ أنتَ صديقي - كما يفعلُ البَعضُ - بل هوَ واضحٌ صريح، أفكُنتُم تريدونه أن يراكُم توقّعون على اتّفاق مكّة المشؤوم ثمّ يقول لكم: أنتم أبطال ... أنتم أسود ... أنتم ... أنتم ... فهذه والله لا يرضاها لنفسِه، ولا نرضاها له، بل إنّ من صميم منهج الشيخ ومن معه من إخوانه أنهم في غاية الصراحة والبعد عن الغموض، وتجنُّبِ المداورة، حتّى في أحلك الظروف، وقد اجتمعت ضدّهم الدّنيا كما لم تجتمع على أحدٍ مِنْ قَبلُ فما اهتزّت لأحدهم شعرة، وما تحوّلوا عن مبادئهم قيد شعرةٍٍ، بل ظلّوا ثابتين صامدين، وعلى دربهم سائرين، رغم المحن والكروب.

ثمّ هاهم اليوم يجنون ثمرة صبرهم وثباتهم بحمد الله ...

فإمَّا حياة تسرُّ الصديق

ليس لأحدٍ عليهم سبيل، ولا يملكُ عدوٌّ أن يصل إلى واحدٍ منهم إلا وصلوا إلى عشرة منه، وهم كلّ يوم في عزٍّ ورفعة ومنعة، وكذلك كانت حماسُ يوم كانت تصول وتجول، وتسبح خيلُها في دماء اليهود، فلمَّا غيَّرت غيَّر الله عليها، ولما بدَّلَت بدَّل الله حالها.

وأمّا ما تزعمونه من أنَّكم حركةٌ لا تتّخذون قراراتٍ فرديّة، في ردّكم على الشيخ حفظه الله ورعاه، فإنّ قراراتكُم تلكَ التي اتخذتموها في مكَّة لو اجتمعت عليها أمّة محمد - وحاشاها - لَمَا نَفَعَها ذلك، فكيف والذين اتخذوها يناقضون أنفسهم، ويتنكّرون لماضيهم، ويتنازلون عن ثوابتهم.

وأمّا المجاهدون في القاعدة أو غيرِهَا فليسوا بحمد الله ممّن يتخِّذُ القرارات الفرديّة - كما يظهر من لمزكم لهم - فإن كان لكم مجالس شوريَّةٌ فلهم كذلك مجالس من أهل العلم والعقيدة والدِّين، ممنّ يوثق بهم، ويؤخَذُ برأيهم، اللهمّ إلا أن يكون ينقصهم شرط: الإخوان.

وهل يظنُّ مثل هذا المخذول أنّ المسألة متعلقة بالمؤسسات الشورية المزعومة، فها هم أعداء الله أكثر منك ومن جماعتك تنظيمًا لها، وعملًا بها، أيكونون بذلك على حقّ ... كلاّ والحقّ.

وهذه همسة أخيرة في أذنِ من يقول إنّكم حققتم في اتفاق مكّة حقن الدّماء؛ أقول لكُم: كلاّ والله لن تُحْقَن الدّماء، ولن يرضى عنكم هؤلاء ولا هؤلاء، حتّى ترتكسوا مثلهم، وتصلوا إلى مثل ما وصلوا إليه، وأظنّكم أدرى النّاس بأنّ هذا الاتفاق لا يساوي قيمة الحبر الذي خُطِّ به، ولكنَّكُم تخادعُون أنصارَكُم، وتضحكون على السذَّجِ منهم، ممّن لا يزالون يتساقطون كلَّ يومٍ لأجلِ حمايةِ حكومتكم، والحفاظ على إنجازاتكم السلطَويَّة، ومقاعدكم البرلمانيّة.

فالأمر أوضَحُ مِنْ ناصية الشمسِ وأظْهَر.

ثمَّ لا تنسَوا أنّ دماء أبناء القسّام التي تسيل كلّ يوم، إنَّما هي في رقابكم، وأنتم والله عنها مسئولون، فما ذنبُ الشباب الذي يتساقط كلَّ يومٍ فداءً لمقاعد البرلمان، وكراسيّ الحُكم، وبخاصَّة أنَّكُم تعتبرونَ عباس ودحلان إخوانًا لكم، فكيف تجيزون لأنفسكم قتالهم من أجل الحكم والسلطة والبرلمان، وقد كانوا مِنْ قَبْلُ يتربّصون بكُم، ويرمون بكم في السُّجُونِ فكنتم تقولون: لأجل وحدة الشَّعْبِ نتركُهُم، فأين ذهبت وحدة الشعب اليوم، أم كان ذلكَ تمثيلًا لأجل الوصول إلى البرلمان والسلطة؟!

إنّ التنازل عن المبادئ لم يكنْ يومًا مسايرة للواقع، فهذا مما لا يُقبَلُ فيه اعتذارٌ، فإنّ قضيتنا واضحة فالموت والفناء، وتساقط آلاف الشهداء أهون بكثير من بيع المقدسات، والرضا بغير شرع رب الأرض والسموات.

يا للأسى؛ فقد صار التنازل عن الثوابت ظاهرةً في أداء كثير من الحركات الإسلامية في هذا العصر، وهذا أمر ينبغي أن يعتني به الدارسون، ويهتمّ به الباحثون، ويحلّل أسبابه ودواعيه المهتمون، ليعملوا على علاجه وتلافيه، فما بال جماعاتنا في ساحة النّزال لا يكادُ الصفُّ الأولُ مِنْ قادتها يندثرُ حتّى تتنكَّر لماضيها، وتنقلب على مبادئها.

وأخيرًا:

نخاطبُ القابضين على الجمر، والذائدين عن الثغر، والحامينَ للحِمى، من العاملين الصادقين لهذا الدّين، ونخصّ منهم المحاربين المستضعفين، أفرادًا كانوا أو جماعات؛ إنّ الصبر على الدين شريعة، والنّصر قَدَرُها، وتحمُّلَ عبء الدَّعوَةِ عبادة، والفرجُ مآلُها.

كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (إنّ النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإنّ مع العسر يسرًا) .

ولعلَّ الله أن يخلق من ضعفكم قوّة للدين، ويردّ بدعائكم كيد العادين، إنَّ خطاب الشريعة لكُم: الصّبر واليقين ... وموعد الأقدار معكم؛ الإمامة في الدّين.

والله تعالى يقول: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} .

والحمد لله رب العالمين

بقلم؛ أبي عبد الصمد السيوطي

عن مجلة صدى الجهاد، العدد؛ 14

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت