[الكاتب: إبراهيم العسعس]
وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ ... الإخوة في حماس، وكل من يقرأ كلامي.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بلا مقدمات، ومجاملات،` واعتذارات عن ممارستي حقي ـ بل واجبي ـ في تقديم رؤيتي ونصيحتي، دون ادعاءٍ منَّي أنَّني أمتلك الحقيقة المطلقة، أو التحليل الفصل. إنَّ الموضوع لا يخصُّ حماس وحدها، إنُّه يخصُّ فلسطين، ويخصُّ الإسلام، ويخصُّ دماء الشهداء الذين من حقهم علينا ألا تضيع دماؤهم هباء، لذلك وجب على كل ذي رأي أن يُقدم رأيه لا ليستعرض قدراته في الجمع والتحليل، بل ليوصل رأيه إلى أهل القرار لعلهم يستضيئون برأيه. وهذه نيتي فيما أكتب.
ولكن ... قبل القراءة:
لي رجاء ألا نبتدئ القراءة بِمَعيَّة الأقوال المُعلَّبةِ الجاهزة، تلك التي تُلقي على كلِّ طرح - بالغًا ما بلغ- دلوًا من الماء البارد يُجمِّد أيَّ صواب فيه. أرجو ألا يُطفئ أحدُكم جذوة القول (بكليشيه) : أهلُ مكة أدرى بشعابها! وهذا صحيح عندما كانت مسيرة الراكب بين بلاد الشام ومكة أربعة أشهر! أما الآن فالجالس في استراليا يرى مكةَ بشعابها وناسها وأرقام سياراتها! وكان هذا صحيحًا أيام الحمام الزاجل، أمَّا في عصر الأقمار الصناعية فلم يعُد أهلُ مكة ـ وحدهم ـ أدرى بشعابها، بل قد يكون البعيدُ أدرى لأنَّه يَنظر عن بعدٍ؛ بعدٍ مادي يُريه الصورة بشكل أوضح، وبعدٍ معنوي مُتحرر من ضغط الواقع.
وأرجو ألا يبادر حالمٌ مُغلَقٌ ليقول: لا يُنظِّر قاعدٌ لقائم. وأنا أقول: وهل القيامُ هو قيامُ من يحمل السلاحَ وحسب؟ وهل كلُّ قاعدٍ عن القتال يُحسب مع القاعدين والقواعد؟ إنَّ كلَّ معروفٍ بالدعوة والعلم والغيرة والثقافة على ثغرةٍ، وليس من حقِّ أحدٍ أن يلتفَّ عليه فيمنعه من واجب النُّصح والتصحيح. وهل يجب أن أحمل السلاح، أو أنْ أموت حتى أمتلك حقَّ الكلام؟! وما دام حاملُ السلاح ليس معصومًا، وما دام يشتغل في الأمَّة ولها، فعليه أن يستمع لمن يقول، ويقرأ ما يُكتب.
تحدَّث أغلب من كتب ـ من الإسلاميين ـ عن فتح وما اقترفه الجناحُ الانقلابيُّ فيها من فتنة وقتل تسبَّبا في النهاية في هذا الذي نرى. وتحدثوا أيضًا عن المتآمرين الحقيقيين وهم أمريكا واليهود. أمَّا عن الأعداء فلا لوم عليهم، قُلْ كلٌّ يعمل لمصلحته. وأمَّا عن فتح فلا كلام عنها ولا معها، لأنَّ"فتح"أحدُ رجلين؛ واحدٌ يُنفذ أجندةً خارجيةً هدفُها جَرُّ حماس للمسارب التي يريدها المتآمرون. والنتيجة تشذيب حركات المقاومة، وتشويه صورة الحلِّ الإسلامي، وإصابة الناس بالإحباط.
(ملاحظة: لم أقل: إنَّ هدف المتآمرين إفشال مشروع حماس، للأسباب التالية:
· أنَّ حماس لا تمتلك مشروعًا واضحًا، سوى مشروع مقاومة المحتل.
· أنَّ وجود حماس ضرورة، خاصة بعد نشوء تيارات إسلامية لا مجال للتعامل معها على الإطلاق. والذي يريده الآخرون حلاًّ تسير فيه كلُّ أطيافِ الشارع الفلسطيني. وعلى الرغم من غرابة هذا القول في ظلِّ الظروف الراهنة إلا أنَّ تصريحات الماضي تُثبت أنَّ المسافة بين حماس وبين فتح ليست بذلك البعد، وأنَّ حماس ستُوافق في النهاية على شكل من أشكال الحل، ليس منه ـ حتمًا ـ شعار فلسطين من البحر إلى النهر؛ ألم تُصرِّح حكومةُ الوحدة الوطنية عند تشكيلها بأنَّها تقبل بكلِّ الاتفاقات الدولية التي تمَّ عقدُها؟).
أمَّا الرجل الثاني: فرجل مُلتزِمٌ بخطِّ"فتح"الذي اختارتُه منذ أنْ سارت في مشروع التسوية، وهو رجل يُدافع عن مشروعه عن قناعة، وهو لذلك يخالف"حماس"بحماسٍ صادق. وإذن فماذا نقول للأول المأجور، والثاني منسجم مع نفسه، ومناقشته لا محل لها في هذا المقال. فلا كلام لنا إلا مع حماس، لأننا نظن الإخلاص فيهم، ولأنهم بحاجة لنصيحة كل مُشفق. مع التنبيه على أنَّ ما يلي ليس دراسة مستوعبة حول حماس، وليس تقييمًا مفصلًا لتاريخها وتجربتها.
أتفقُ مع الكاتب البريطاني"بيتر بيمونت"في تحميل الولايات المتحدة والمجموعة الدولية المسؤولية عما حدث في غزة، والذي أضاف: إنَّ المتآمرين الحقيقيين لتلك الأحداث هم أولئك الذين رفضوا الاعتراف بنتائج انتخابات شرعية تولت بها حماس رئاسة الحكومة الفلسطينية ... وقال: إنَّه بطرد حماس وتشكيل حكومة برئاسة سلام فياض تكون واشنطن ومن معها قد حصلوا على ما يريدون. لا شكَّ أنَّ ما حصل انقلابٌ على الشرعية [1] ، وأنَّ حماس اضطُرت إلى أن تدافع عن نفسها وحقها ضد المؤامرة. لكن هل الأحداث الأخيرة هي بداية المؤامرة؟ بل هل كل المؤامرات التي شغلت حماس والشارع الفلسطيني منذ استلام حماس للوزارة هي بداية المؤامرة؟ أم هناك مؤامرة أكبر من هذا كله، وسبقت هذا كله، مؤامرة قد لا تكون مسؤولية من دبَّرَها ونفَّذَها، أكبر من مسؤولية أصحاب النوايا الحسنة الذين ساروا فيها مطبقين خطة العدو، ظنًّا منهم أنهم ـ بسيرهم ـ يغيظونه!
وبلعت حماس الطعم:
أهم قواعد اللعبة السياسية: من السذاجة أنْ تُفسَّر التصريحاتُ السياسيةُ على أنَّها إعلانٌ حقيقيٌّ عن رغبة السياسي. إنَّ التصريحات جزء من المناورة التي تبدأ بالتصريحات وتنتهي باستعمال السلاح. وأول درس في المناورة أن يقول السياسي شيئًا ويعني به شيئًا آخر. لقد استخدم هذا المبدأ بتفوق في الساحة الفلسطينية! كانت أمريكا ومن معها، وقيادات فتح ومن معهم يقولون: لا نريد أن تشارك حماس في الانتخابات. فقالت حماس بل سندخل. فقالوا بغضب: أدخلتم؟! لا بأس لكن يجب ألا تنجحوا فيها. وفي نفس الوقت أعلنوا: ستحرص أمريكا وأوروبا على أن تجري في فلسطين انتخابات حرة، وسنرسل لكم الرئيس الأسبق كارتر للمراقبة! وفعلًا تمَّ الأمر كما وعدوا! وهنا يفرض سؤالان نفسيهما:
هل كان دخول حماس الانتخابات مرفوضًا من خصومها؟
هل تفاجأ أحدٌ بنجاح حماس؟
أما عن السؤال الأول، فالساحة السياسية منذ أن قامت السلطة مفتوحة للجميع، ورسميًا لا يقدر أحدٌ على منع أحدٍ من دخول الانتخابات. إنَّ الدلائل تؤكد على أنَّ التغيرات الجذرية في القضية الفلسطينية منذ الانتفاضة الأولى كان من أهم أهدافها إجهاض الحالة التي بدأت تفرض نفسها في فلسطين، وهي حالة الجهاد والالتفاف حول الحلِّ الإسلامي. وتجرنا هذه المسألة لتساؤل مهم وخطير عن قتل الشيخين؛ ياسين، والرنتيسي رحمهما الله؟! من السطحية أن يقال إنهما قُتلا لمسؤوليتهما عن العمليات العسكرية! فالجميع يعرف أن لا علاقة لهما بذلك، ومن قتلهما يعرف أن الخلاص لا يعني إنهاء العمل العسكري، لأنه يعرف بأنه يتعامل مع تنظيم مؤسسي لا مع أفراد. لقد كان ياسين والرنتيسي جدارا يصعب اختراقه أمام أي محاولة:
1 ـ للقفز على ميثاق حماس.
2 ـ لجر حماس إلى الدخول في اللعبة السياسية. وقد رفضا بالفعل المشاركة في اللعبة السياسية عام 98 ليس فقط في التشريعي، بل وفي البلديات كذلك. فما هو الفرق بين فلسطين في 98 وبينها في 2006؟!
أما عن مفاجأة العالم، والقوى الداخلية المعارضة لحماس، بنجاح حماس، فلا يعدو أن يكون فيلما من أفلام السياسة، التي يُظهر فيها السياسي خلافَ ما يُبطن. وإذا كان هناك من تفاجأ بالفعل، فهي حماس لأنَّها لم تصدق الوعد بانتخابات نزيهة، وكثيرٌ من العرب والإسلاميين لأنَّهم لم يقرؤوا المشهد بشكل جيد. والحقيقة أنَّ المشهد كان واضحًا جدًا، وكانت النتيجة في جانب حماس بشرط انتخابات نزيهة. والعجب ممن كان يرى خلاف ذلك! مع أننا لو جئنا بحمار من غابات الأمازون وشرحنا له واقع الساحة الفلسطينية؛ حماس بجهادها وتضحياتها وشهدائها الذي كان في ذروته، وفتح بتنازلاتها وفضائح رموزها، ثم قلنا له: أيها الحمار الأمازوني مَن في اعتقادك سيفوز بانتخابات نزيهة؟ لنهق الحمارُ بأنكر الأصوات وقال: قطعًا حماس، وهل في ذلك شكٌّ؟ فهل حمار الأمازون أدرى وأذكى من ثعالب البنتاغون؟ وقالت حماس لقد منَّ الله علينا وقهرناهم. فقالوا: نعم ونحن خائفون وسننفجر من شدة الغضب. وخرج عناصر فتح المُصدِقون والمُوجَّهُون يُطلقون النار في الشوارع، كيف تفوز حماس وتخسر فتح؟! وبلعت حماس الطعم، وبدأ ميثاق حماس يتغير!
دخول النَّفق:
حين وافقت حماس على دخول اللعبة السياسية، وتشكيل الوزارة، أدركتُ ـ كما أدرك غيري ـ بأنَّ ثمة كارثة تُهدد ما تُمثِّله حماس، وبأنَّ حماس بقرارها هذا حكمت على تاريخها بالإجهاض، وبأنها وضعت نفسها بالقفص الذي فَصَّلوه لها. لقد فتحوا لها الطرقَ لتصل إلى الحكومة، ثم حاصروها ومنعوا عنها كل شيء، وقالوا لها تفضلي احكمي! وتساءلتُ ـ كما تساءل غيري ـ: على ماذا تعتمد حماس؟ وعلى من تُعوِّل؟ ألم تكن تدري حماس بأنَّ العالم سيقفُ ضدها؟ ألا تعلم حماس بأنَّ مَن حولها مربوطون بحبل سُرِّيٍّ مع أمريكا فلا رجاء لها فيهم؟ وأيًا كان جواب هذه التساؤلات فهو مأساة، على قاعدة:
إنْ كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ
لقد كان من المفروض أن تكون حماس وما تُمثِّله وما تريده كما قررت في ميثاقها أكبر مما أوقعت نفسها فيه. وكان ينبغي أنْ تعلم حماس أنَّ الحكومة في ظلِّ الراهن الداخلي والخارجي لا يعني شيئًا، ولا يساوي شيئًا سوى الحكم على الذات بالقتل، وعلى الرسالة والأهداف بالتمييع. لقد علمت حماس أنه لا سيادة في ظل الاحتلال، وكانت تعلم أنها ستشكل حكومة خدمات! فهل كان الأمر يستحق الثمن الذي قُدم؟ فماذا كان الثمن؟ لقد كان باهظا جدًا!
كان الرضا بنهج التسوية، والاعتراف بدولة العدو، والانقلاب على ميثاق حماس، وفقدان جزء من ولاء الشعب، وشيئًا من التنازلات، والمساهمة بإصابة الناس باليأس، والكفر بالجهاد وفقدان الثقة بمن يمثل ذلك.
أعرف أن القارئ سيتعجب وقد يصرخ: كل هذا قدمته حماس؟! وقبل أن أجيب عن كل واحدة، أقول: إن الذي قدمته حماس، وما قد تقدمه إلا إذا تداركت الأمر كما سيأتي، نتيجة منطقية لمن يدخل في لعبة دولية أكبر منه.
ذلك عندما يكون الأداء السياسي غير متاح في ظل الظروف القاهرة فالثوري لا يمارسه، لأنه سيضطر إلى الاختيار بين أداء سياسي يناسب الظروف وهذا يعني التخلي عن النهج، وبين أن يتمسك بالثوابت، وهذا خلاف شروط واضع اللعبة، فيتم إخراجه من اللعبة.
وعندما لا تمتلك الحركة ـ أي حركة ـ عناصر المجابهة الناجحة فعليها أن تقف بانتظار مرحلة أفضل تستعد فيها للدخول في المجابهة. لقد دخلت حماس في الفرصة الناقصة، حيث التجربة غير مشروعة. ولا تكون التجربة مشروعة إلا عندما يكون الحوار بين ندين متكافِئَين، وعندما تكون إمكانية تطبيق الأهداف حرة غير مقيدة.
الرضا بنهج التسوية، والاعتراف بدولة العدو: مجرد دخول حماس في الوزارة يعني قبولها بنهج التسوية، حتى وإنْ أعلَنت غيرَ ذلك. ومع ذلك فقد صدر عن حماس ما يدل على ذلك:
1 ـ تشكيل الوزارة يعني الرضا بالواقع الذي أفرزته أوسلو ومدريد وباقي الاتفاقات الدولية.
2 ـ اضطُرت حماس بعد مؤتمر مكة إلى الإعلان بأنَّ حكومة الوحدة الوطنية تقبل بكلِّ الاتفاقات الدولية التي تمَّ عقدُها. وهذا صريحٌ في الموافقة على أوسلو وغيرها وإفرازاتها.
3 ـ وافقت حماس على دولة بحدود 67.
4 ـ ما سبق يعني اعترافًا بدولة العدو.
الانقلاب على ميثاق حماس:
1 ـ القبول بحدود 67 يعني التنازل عن جزء من فلسطين، وهو مخالف لما نص عليه ميثاق حماس:"فالتفريط في أي جزء من فلسطين تفريط في جزء من الدين" (ميثاق حماس الصادر في 18 آب 1988 ص15) ."تعتقد حركة المقاومة الإسلامية أن أرض فلسطين أرض وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة، لا يصح التفريط بها أو بجزء منها أو التنازل عنها أو عن جزء منها، ولا تملك ذلك دولة عربية أو كل الدول العربية، ولا يملك ذلك ملك أو رئيس، أو كل الملوك والرؤساء، ولا تملك ذلك منظمة أو كل المنظمات سواء كانت فلسطينية أو عربية" (السابق ص 12، 13) .
2 ـ التصريح بالموافقة على كل الاتفاقات الدولية مُخالف لنهج حماس، جاء في الميثاق:"تتعارض المبادرات، وما يسمى بالحلول السلمية والمؤتمرات الدولية لحل القضية الفلسطينية مع عقيدة حركة المقاومة الإسلامية .... وتثار من حين لآخر الدعوة لعقد مؤتمر دولي للنظر في حل القضية، فيقبل من يقبل ويرفض من يرفض لسبب أو لآخر مطالبا بتحقيق شرط أو شروط، ليوافق على عقد المؤتمر والمشاركة فيه، وحركة المقاومة الإسلامية لمعرفتها بالأطراف التي يتكون منها المؤتمر، وماضي وحاضر مواقفها من قضايا المسلمين لا ترى أنَّ تلك المؤتمرات يمكن أنْ تحقق المطالب أو تعيد الحقوق، أو تُنصف المظلوم" (الميثاق ص15) .
3 ـ تشكيل حماس للوزارة في ظل الظرف القائم يعني قبولها بالتهدئة، وميلها إلى الحل الدبلوماسي، وهذا ما حصل، فقد لاحظ المراقبون ندرة العمليات الجهادية بعد تشكيل الوزارة. قال الميثاق:"ولا حل للقضية الفلسطينية إلا بالجهاد، أما المبادرات والطروحات والمؤتمرات الدولية، فمضيعة للوقت، وعبث من العبث" (السابق ص15) . وهذه انقلابات غير صريحة، تمَّت على استحياء، فهل تفقأ حماس (الدمَّل) فتصرح كما صرح عرفات عام 92 في فرنسا عن ميثاق منظمة التحرير بقوله"كوداك"يعني: ملغي!
اختلاف قلوب الناس على حماس:
أحيانًا وضمن ظروفٍ معينة تمر بعض الأخبار دون الانتباه إلى دلالاتها، ويبدو لي أن خبر خسارة حماس لرئاسة 16 نقابة واتحاد بعد توليها الوزارة من هذه الأخبار! ودلالة هذا الخبر واضحة ومؤلمة في نفس الوقت، تغني عن التعليق.
التنازلات:
كل ما سبقت الإشارة إليه دال على التنازلات التي قدمتها حماس بلا مقابل. ولعل آخرها التنازل إثر مؤتمر مكة عن وزارات السيادة، وهي الإعلام والداخلية والخارجية والمالية. وقد تنازلوا عنها مقابل اعتراف بحكومة الوحدة الوطنية، وفك الحصار، ووعدٌ ب250 مليون دولار من العربية السعودية. ولم يتحقق شيءٌ من ذلك.
إصابة الناس باليأس، والكفر بالجهاد، وفقدان الثقة بمن يمثل ذلك:
إنَّ تكرار الجهود التي تنتهي إلى الصراع الداخلي، أو التحولات التي تصيب المجاهد عندما ينتقل إلى السياسة، أو إجهاض كل محاولة للتغيير، والتي تُجْهَضُ في كثير من الأحيان بأيدي أصحابها! كل ذلك يؤدي بالناس إلى القناعة بعدم جدوى جهود النهضة والتحرير، واللجوء إلى الاستسلام، أو الحل الرخيص الذليل. كما يؤدي إلى الشعور بعدم أهلية الرموز أو القيادات ـ فضلًا عن غيرهم ـ، وعجزهم عن متابعة الواقع المتقدم عليهم.
النتيجة والنصيحة:
لقد تم استدراج حماس إلى المشاركة في الوزارة. وكانت هذه المشاركة خطأ قاتلًا. وأخشى أنَّ الحلَّ الإسلامي سيدفع ـ نتيجةً لهذه المشاركة ـ الثمنَ باهظًا.
وأنَّ ما حصل، والرؤية المستقبلية - إنْ أصرَّت حماس على ما هي عليه - لما سيكون يدل على أن حماس ستنتهي إلى ما انتهت إليه فتح، وسنسمع مرة أخرى عن جدلية العلاقة المعقدة بين الثوري والسياسي! ولكن بلغة أخرى مدعومة بالدليل الشرعي هذه المرة!
كان ينبغي أن تبقى حماس في المعارضة، وتكتفي بالتشريعي، وتتمسك بسلاحها، وخطِّها الجهادي الواضح، وتدع الآخرين يقطفون ثمار تراكمات فشلهم في قيادة القضية، لا أن تتبرع بحمل نتائج خياناتهم وفشلهم عنهم. وهذا ما حصل فعلًا فقد حمَّل الاستعمارُ والإعلامُ ـ بفنية كبيرة ـ والناسُ بعد ذلك حماس فشل عقود من المخازي! كان على حماس أن تنكفئ على أهدافها انتظارًا للفرصة السانحة.
إنَّ تشكيل وزارة ليس مطلبًا في حدِّ ذاته، خاصة إذا لم تكن الظروف ملائمة.
والآن ... على حماس أن تخرج من النفق الذي وضعت نفسها فيه، ونصيحتي أن تعود إلى صفوف المعارضة، متمسكةً بسلاحها، وخيار التحرير، ولتدع الشعب يواجه العملاء عنها كما كان في السابق. وأعتقد أنَّ التجربة كانت كافية لتدرك حماس الدرس، وتعود إلى سابق عهدها، وتصلح ما يمكن إصلاحه.
لقد شكَّل خيارُ حماس نقلةً نوعيةً في تاريخ القضية، وذلك عندما راهنت على الداخل، مدركةً أن الحل لن يأتي إلا من الداخل، لكنها تركت هذا الرهان بتعلقها بهذه الجهة أو تلك في الخارج، مع أنَّ التجربة أثبتت أنَّ (هذه وتلك) يميلون حيث مالت الريح، وأنهم لا ثبات لهم. فلتعد حماس إلى الداخل الفلسطيني، فإنَّ الحلَّ في الداخل.
وبعد فإن القضية الفلسطينية تمثل صراع الأمة والعقيدة، وهي بذلك أكبر مِن كل مَن على الساحة. ولا يجوز لأي كان مهما كانت تضحياته وتاريخه أن يتجاوز الخطوط الحمراء. ولا ينبغي للتضحيات أن تشفع لصاحبها فيكون فوق النقد، فلا وجود للبقرات المقدسة في هذه القضية!!!
الأحد, 26 أبريل/نيسان
[1] نقول: لا شرعية عندنا الا للشرع الحنيف أما الانتخابات البرلمانية والجاهلية وما تنتجه فليست بشرعية عندنا وإنما يصفها بذلك من يرى شرعية الديمقراطية والوسائل الجاهلية كما هو حال المنقول عنه. (منبر التوحيد والجهاد)