[الكاتب: أيمن الظواهري]
بعها بثلث وزارة ظلمًا وحيفا ... بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه.
أيها الإخوة المسلمون في كل مكان:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد ...
أتحدث إليكم ووقائع الهجمة الصليبية على ديار الإسلام تتصاعد، والمسلمون ينتقلون - بفضل الله - من نصر لنصر والصليبيون يتراجعون من فشل لفشل.
وديك تشيني جاء ليطالب مشرف بالحساب على ما إبتلعه من رشاوى، فطأطأ له مشرف رأسه متوسلا في إسلام أباد، أما الطالبان الذين لا يحنون رؤوسهم إلا لربهم في الصلاة؛ فقد أحسنوا إستقباله في باغرام.
وأستمر"توني بلير"في إستغفال شعبه فأوهمهم بأنه سيحقق النصر بألف وأربعمئة جندي بريطاني يرسلهم لإفغانستان، وأنا أذكره بأن"دكتور برايدون"قد عاد للهند بعد أن ترك خلفه أكثر من ستة عشر ألف قتيل في أفغانستان، فأرسل - وبعون الله - سنرسل، وحرض وبعون الله سنحرض، وأحشد وبعون الله سنحشد، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا.
ويستمر مسلسل الكيد الصليبي؛ فتبرؤا محاكم الأمم المتحدة الحكومة الصربية من قتل مئة ألف من المسلمين والكروات في البوسنة، بينما تطالب بإدانة إثنين وخمسين متهما في دارفور، وأنا لا أدافع عن الحكومة السودانية، فكل من إرتكب جريمة في دارفور عليه أن يدفع ثمنها، ولكني أسأل سؤالين؛
الأول: من أعطى القتلة حق تنصيب القضاة بالتدخل في شئون المسلمين؟! بأي حق يتدخل مجلس الأمن في شئون المسلمين؟! ويشكل المحاكم التي تبرؤا هذا وتدين ذاك، بينما تقطر أيادي مجرميه من دماء المسلمين في العراق وأفغانستان وفلسطين والجزائر والشيشان وتركستان الشرقية.
كيف تُحيل أمريكا قضية دارفور لمحكمة دولية لا تعترف هي بها وتأنف من أن تخضع لها؟! بأي ظلم يحكم هذا العالم؟!
أما السؤال الثاني: إذا كنتم ستحاكمون من تسمونهم"مجرمين"في دارفور فمن سيحاكم القتلة في البوسنة وفلسطين والعراق وأفغانستان والصومال والشيشان وكشمير واندونيسيا والفلبين وتركستان الشرقية؟! من سيحاكم"بوش"و"بلير"و"بوتن"و"شارون"؟! بل من سيحاكم السفلة الذين يخوضون في دمائنا وحرماتنا كل يوم، أضعاف، أضعاف ما أرتكب في دارفور؟! من سيحاكم مبارك وأل سعود وبوتفليقة وزين العابدين وأبن الحسين ومشرف؟!
يا شريعة الغاب ويا حضارة الذئاب ويا هيئة الأمم المجرمة؛ كفى المسلمين ما لقوه ويلقونه منكم، وقد إستعانوا بالله وقرروا أن يتصدوا لكم.
ويستمر مسلسل الكيد الصليبي في العراق، فيقررون عقد مؤتمر فيه، للسعي في عقد صقفة لتسهيل خروج الصليبين.
وقد ذكرت من قبل أن الأمريكان لا يتفاوضون مع القوى الحقيقة في العالم الإسلامي، فحرفت بعض وسائل الإعلام كلامي، لتقول؛ أني أدعوا للتفاوض، وأنا لم أدعوا ولا أدعوا للتفاوض، ولكني أصف وضع الأمريكان المتخبط المتردي، ولقد عرض عليهم الشيخ اسامة بن لادن حفظه الله صلحا فرفضوه، فليتحملوا عواقب رفضهم.
ويستمر مسلسل الكيد الصهيوني الصليبي في فلسطين، فتعتدي إسرائيل على حرم المسجد الأقصى، بينما كل ما تسمى بـ"حكومات البلاد العربية والإسلامية"، لا تملك إلا الصياح والإستنكار، واليهود قد عرفوا حجمها الحقيقي بعد أن اعترفت معظمها بإسرائيل أو أبدت رغبتها في الإعتراف بها، كما صنع عبد الله بن عبد العزيز في مبادرته التي لقنها له اليهودي توماس فريدمان، والتي يتوسل العرب لإسرائيل أن تقبلها.
ويقع في فلسطين - للأسف - عدوان من نوع أخر، حيث أعتدت قيادة"حركة حماس"على حقوق الأمة المسلمة، وقبلت بما سمته - سخرية بعقول المسلمين ومشاعرهم - بـ"إحترام الإتفاقات الدولية".
ويؤسفني أن أواجه الأمة المسلمة بالحقيقة، فأقول لها؛ عظم الله أجرك في قيادة"حماس"فقد سقطت في مستنقع الإستسلام.
أمس في زمن النكبة جمع الشهيد - كما نحسبه - حسن البنا والشيخ أمين الحسيني رحمهما الله عصائب الفدائيين وساروا نحو فلسطين، واليوم في"زمن الصفقة"تسلم قيادة حماس لليهود معظم فلسطين.
كنا في صبانا نحفظ قصيدة هاشم رشيد لولده:"حيفا تأن، فهل سمعت أنين حيفا"، أما اليوم فستدرسها قيادة حماس لتلاميذهم، فيقولون:
حيفا تئن فلا يرعك أنين حيفا
بعها بقصر الخائن السمسار ضيفا ... أشهد عليها في جوار البيت زيفا
باع"السادات"وصار قدوتنا ليُكفى ... بعها لتغنم ود أمريكا وزلفا
بعها وإن سكبت جراح الحر رعفا ... طوبى لمن يقفو خيانته وقفى
بعها ولا ترضى من"القسام"قصفا ... بعها وإن صبغ الشهيد الأفق نزفا
لا حزن أرملة يشف الجسم شفا ... كر الزمان عليه في القبر وعفى
وأرقص به في موكب البهتان زفا ... قم بع سلاحك وأشتري طبلًا ودفا
دع عنك حيفا إنها ستموت حتفا ... وأنظم مظاهرة مع الجاسوس إلفا
فأكثر ما يجني عليه إجتهاده ... بعها ووقع؛ إن أندلسًا كحيفا
لحقت قيادة"حماس"أخيرا بقطار"السادات"للذل والإستذلال، باعت قيادة"حماس"فلسطين، وباعت قبلها التحاكم للشريعة، باعت كل هذا من أجل أن يُسمح لها بالإحتفاظ بثلث الحكومة، وأية حكومة؟!
حكومة لا تملك التحكم في الدخول والخروج ولا التنقل بين جزئيها إلا بتصريح من إسرائيل، حكومة يُمنع رئيسها من الدخول لداره ولا يسمح له إلا بعد أن يتوسط المصريون من أجله لدى وزير الدفاع الإسرائيلي، ويظل منتظرا على الرصيف في برد الشتاء أمام"معبر رفح"حتى تصل موافقة الوزير الإسرائيلي.
من أجل الإحتفاظ بثلث مقاعد هذه الحكومة المهزلة؛ تنازلت قيادة"حماس"عن التحاكم للشريعة وتنازلت عن معظم فلسطين، من أجل ثلث مقاعد هذه الحكومة المهزلة؛ تركوا حركة المقاومة وقبلوا حكومة المساومة، تركوا حركة العمليات الإستشهادية وقبلوا حكومة إحترام القرارات الدولية، تركوا الحركة المناضلة المستبسلة وقبلوا الحكومة المروضة المتوسلة، تركوا حركة أقتحام جموع الأعداء بالمتفجرات وقبلوا حكومة التلاعب في قاعات القصور بالكلمات.
من أجل ثلث كراسي الحكومة؛ تركوا حاكمية الشريعة الإسلامية وركعوا للشرعية الدولية.
وتحتقر قيادة حماس عقول المسلمين ومشاعرهم، فتقول؛ إنها ستحترم ولم تقل إنها ستلتزم بالقرارات الدولية، وما الفارق أيها العقلاء الشرفاء بين الإلتزام بالقرارات الدولية وبين إحترامها؟! أليس هو نفس الفارق بين الركوع والخنوع؟! وبين الهزيمة والإنكسار؟! وبين التراجع والتنازل؟! وبين الإنبطاح والإرتماء؟!
تلاعب بالألفاظ لا وجود له في قاموس الجهاد والرباط والثبات على أمر الله والقتال من أجل الدين والعرض والشرف.
والعجيب؛ أنهم حتى في تلاعبهم قد فشلوا، فإن الأحترام درجة أعلى من الإلتزام، فإن المرء قد يلتزم بشيء وهو كاره له ومستنكر، أما المحترم فهو يُظهر التعظيم والتبجيل لما يحترمه، وهذا من خذلان الله لهم.
قال أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
إذا لم يكن عون من الله للفتى
بفقدك أضنتها المصيبة ضمر ... كم كان مؤلما ذلك الموقف الذي وقفه رئيس الحكومة وهو يذعن أمام محمود عباس - رجل أمريكا المتعالي - وهو يكلفه بحكومة تذعن لقرارات تسليم فلسطين لليهود، فيرد عليه؛ بأنه سيلتزم بخطاب التكليف ويعمل بموجبه، أي سيسلم معظم فلسطين لليهود مع من سلموها.
يا أيها العقلاء:
لماذا كل هذا التراجع أمام المخطط الأمريكي، بينما أمريكا تنهزم في أفغانستان والعراق وتئن من ضربات المجاهدين وتبحث عن مهرب؟! لماذا يتراجعون والمجاهدون يتقدمون نحو فلسطين حثيثا؟! لماذا يتراجعون وقد عمت الأمة صحوة جهادية هزت كيانها وبعثتها بعثا جديدا؟!
إن الدرس الخطير لنا جميعا في هذه السقطة؛ أن الإنحراف العقدي قد سهل الإنحراف السلوكي، فإنه لما هان عليهم التخلي عن حاكمية الشريعة كان أهون عليهم أن يتنازلوا عن معظم فلسطين.
إخواني المسلمين ...
إنه - بكل صراحة - المخطط الأمريكي للإلتفاف على المقاومة الجهادية الإسلامية للحملة الصليبية الصهيونية، فإن أمريكا رأت أن عليها أن تحل قضية فلسطين حلا صوريا - أو قل هزليا - حتى تزيل سببا من أكبر أسباب كراهية المسلمين لها، وقبلت قيادة"حماس"بواسطة التجويع والحصار والقتل والمساومة والإغراء بفتات السلطة؛ أن تسير في هذا المخطط، فذهبت في نزهة مع الشيطان الأمريكي ووكيله السعودي، ولكن غاب عنها أن الذي يذهب في نزهة مع الشيطان يعود خاسرا، قال الحق تبارك وتعالى: {يعدهم ويمنيهم ومايعدهم الشيطان إلا غرورا} .
سيقول المرجفون عنا؛ إننا لا نريد حقن الدم الفلسطيني و لا نريد الوحدة الفلسطينية!
ونقول لهم؛ وما شأن حقن الدم الفلسطيني والوحدة الفلسطينية ببيع فلسطين؟! إتفقوا - إن شئتم - على حقن الدم الفلسطيني ولكن لا تتفقوا على بيع فلسطين، أم أن دعوى حقن الدم الفلسطيني أستخدمت كستار لتمرير بيع فلسطين! أم إن عدوان"فتح"عليكم المدعومة بالأموال الأمريكية والأسلحة المصرية قد أجبركم على الخضوع لإرادتها.
وسيقول المرجفون؛ لا شأن لكم بفلسطين!
ونقول لهم؛ عجبا لكم! تدعون كل أعداء الإسلام للتدخل في شئون فلسطين، من"الرباعية"للأمم المتحدة للأتحاد الأوروبي، حتى حكومات العمالة في مصر والسعودية والخليج والأردن، وتحرمونه على المجاهدين؟!
إن فلسطين شأننا وشأن كل مسلم ولن نفرط فيها، فلسطين كانت دار إسلام، وفرض عين على كل مسلم إسترجاعها.
قال شهيد الإسلام عبد الله عزام رحمه الله: (والجهاد فرض عين على كل الأمة المسلمة، وكل الأمة المسلمة أثمة لأنها لم ترجع الأندلس ولم ترجع بخارى ولم ترجع فلسطين ولم ترجع أفغانستان، ويبقى الجهاد فرض عين حتى تُرجع كل بقعة كانت إسلامية إلى يد المسلمين) .
رحمك الله يا عبد الله عزام، والحمد لله الذي أكرمك بالشهادة حتى لا ترى من كنت تمدحهم وهم يدخلون كابول على ظهور الدبابات الأمريكية وحتى لا ترى لحوق قيادة"حماس"بركب"السادات"و"عرفات".
أمتي المسلمة ...
هذه هي ثمار الديمقراطية العلمانية، وثمار الإنتخابات في ظل الإحتلال وفي ظل مرجعية الدساتير العلمانية؛ الإستسلام والتنازل والإعتراف بشرعية إسرائيل.
ولذا فإني أهيب بإخواني - إخوة الرباط والإستشهاد والجهاد في فلسطين - أن يعلموا أنهم مجاهدون في سبيل الله، وأن عليهم أن ينبذوا القرارات الدولية التي سلمت فلسطين لليهود، وأن لا يحترموها، بل يحتقروها ويستنكروها ويتبرؤا منها، وأن يواصلوا جهادهم في سبيل الله حتى تتحرر كل دار إسلام غزاها الكفار من الأندلس إلى العراق، وحتى تكون كلمة الله هي العليا، وتعود الخلافة لتحمي حمى الإسلام، وتنشر شريعته.
أهيب بهم أن يعملوا بما في مصاحفهم ويلزموا خنادقهم ويعتزوا ببنادقهم، وأن لا يسمحوا لأحد أن يبيعها في سوق السياسة، فيخسروا الدين والدنيا معا.
بل أهيب بإخواني المسلمين جميعا؛ أن يتحرروا من قيود التنظيمات التي تتيه بهم في متاهات السياسة، وأن يعلموا أن إنتمائهم للإسلام؛ أسمى وأعلى وأولى من إنتمائهم لأية جماعة أو أي تنظيم، وأن الجماعات التي إختارت مهادنة الحكومات العميلة والعمل في ظل دساتيرها وقوانينها ستظل تدور في حلقة مغلقة، وستنتقل من تنازل لأخر، ورغم كل هذا لن ترضى عنها ذئاب الحملة الصليبية.
فهاهي الحكومة المصرية تستكثر على شباب جامعة الأزهر أن يقوموا بعرض رياضي، بينما جيوش الصليبين واليهود تدنس أراضينا في الشيشان وكشمير وأفغانستان والعراق وفي فلسطين والصومال، يستكثرون على الشباب عرضا رياضيا لأنهم يريدون من الأمة أن تكون قطعانا من النعاج تساق للمسلخ واحدة تلو الأخرى.
وهاهي الحكومة المصرية تنقض على من أعترفوا بشرعية رئيسها ودستورها وقوانينها، تنقض على من رضوا بحاكمية أغلبية الناخبين وتخلوا عن حاكمية الشريعة، تنقض على من قبلوا بالمواطنة وتخلوا عن أخوة الإسلام، تنقض على من قبلوا بالدولة الوطنية وتخلوا عن دولة الخلافة، تنقض على من أدانوا الجهاد والمجاهدين وأطاعوا القانون العلماني المزور، تنقض على من قالوا؛ إنهم لن يجاهدوا حتى تأذن لهم حكوماتهم - أي حتى تأذن لهم أمريكا وإسرائيل - تنقض على من قالوا؛ إن الجهاد لا يجوز إلا ضد العدو الخارجي فقط.
ورغم ذلك وجدناهم يتعاونون ويشاركون المحتل الصليبي الأجنبي، ويدخلون كابول وبغداد على ظهور الدبابات الأمريكية الصليبية الأجنبية، ووجدناهم في فلسطين؛ يرضون بثلث الحكومة في مقابل التنازل عن معظم فلسطين وعن حاكمية الشريعة، ويُسقطون بذلك أخر حجة كانوا يحتجون بها على أنهم لا زالوا يجاهدون العدو الأجنبي.
تنقض عليهم الحكومة المصرية رغم كل تنازلاتهم التي لم تشفع لهم لديها، ولا لدى أمريكا وإسرائيل.
لأن من يذهب في نزهة مع الشيطان لابد أن يعود خاسرا، يقول الحق تبارك وتعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} .
ويا أخواني المسلمين في ميادين الجهاد - في الجزائر والصومال وفلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان، وفي كل مكان:
تصدوا بتمسككم بعقيدتكم وبثباتكم ورباطكم للمخطط الصهيونني الصليبي الذي يترنح - بقوة الله - تحت ضرباتكم.
وأبشروا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) .
ما فلسطين التي أثقلتها المكائد والمؤامرات وفر عن التمسك بها من كان يزعم الدفاع عنها فأستعير لها أبيات أخينا المجاهد المرابط أبي حفص الموريتاني حفظه الله، حيث يقول:
وليس بني الإسلام إلا نجائب
بعودة أمجاد الخلافة يكبر ... ولكنهم رغم الجراح يقينهم
هباء على درب الجهاد مبعثر ... وأن حلول الخائنين جميعها
سيمضى ولو كسرى تحدى وقيصر ... وقد أقسموا بالله أن جهادهم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
صفر/1428 هـ