فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 269

فيما يريد، بل هو حقيقٌ بأن يؤخذَ على يدِه، ويُنكَرَ عليهِ، ساعيًا كانَ إلى تلك الأعمالِ أم محرِّضًا عليها.

وأجزمُ بأنَّ تلك الدعواتِ لا تصدرُ مِن أهلِ العِلمِ والحكمةِ، ولا يؤيِّدُها مشايخُنا في أفغانستان قادةُ قاعدةِ الجهادِ، ولا غيرُهم مِن المنتسبين إلى العلمِ، حتَّى مَن يكفِّرُ رؤوسَ حماس.

وأقول لإخواني السلفيين في غزةَ: أيُّها الأحبةُ، إنَّ القلوبَ لتحزنُ، وإنَّ العيونَ لتدمعُ، وإنَّ المصابَ عظيمٌ، وإنَّ الخطبَ لجللٌ، ولكَن ليس لنا أن نقول إلا ما يرضي اللهَ، أو نفعلَ إلا ما وافقَ شرعَه، وليس لنا أن نشفيَ صدورَنا بما يَسخطُه اللهُ!

وإنَّ مِن أخصِّ خصائصِ المؤمِن أن يُسلِّمَ بما قدَّرَه اللهُ، وإنَّ مِمَّا ينافي التسليمَ بما قدَّرَه اللهُ: ما نراهُ اليومَ مِن غلوٍّ في التكفيرِ، ودعواتٍ إلى سفكِ الدماءِ انتقامًا بما يجاوزُ الشرعَ! فليَعلمَ مَن وقعَ في هذا غضَبًا أنَّه مِنه جاهلية، فليَتب منه ولا يزيَِّنْه له هواه، واللهُ يعفو عنا جميعًا.

واعلموا أنَّ ما أنتم فيه يطيشُ بعقلِ الحكيمِ، ويذهبُ بتحقيقِ العالِمِ؛ فإنَّ الحُزنَ والغيظَ والغضبَ انفعالاتٌ نفسية، والظلمَ وفقدَ الأحبةِ والمطاردةَ أحوالٌ مؤثِّرةٌ، والانتقامَ والمعاملةَ بالمثلِ شهواتٌ، وإنَّ هذا كلَّه يكونُ في النفسِ (هوى) خفيًّا عن صاحبِه، يقارِنُ التأولَ؛ فيؤثِّرُ في النظرِ، ويُخرجِه من دائرةِ الاجتهادِ المحضِ، إلى الاجتهادِ المشوبِ بهوى، فيقلُّ تأثيرُه أو يكثُر، بحسب عِلمِ المرءِ وديانتِه وتقواه وعقلِه وحكمتِه؛ ثمَّ تخرجُ الأحكامُ بحسبِ ما غلبَ مِن الأضدادِ: العِلمِ والإخلاصِ، أو الجهلِ والهوى، والعالِمُ قد يشوبُ عِلمَه جهلٌ وقصدَه هوى، إلا أنَّه لا يكونُ ذا جهلٍ أو هوى محضٍ، ولذا فإنَّ العالِمَ وإن أخطأَ بقولٍ مرجوحٍ أو شاذٍّ؛ فإنَّك ترى في كلامِه روحَ الشريعةِ ونَفَسَ المتشرِّعةِ، وفي أحكامِه القربَ مِن أحكامِها.

وأمَّا الجاهلُ فإنَّك راءٍ مِنه الشذوذَ منهجًا، والغلوَّ سمةً، والخطأَ لازِمًا؛ قال الإمامُ الشافعيُّ: (ومَن تكلَّف ما جهِل وما لم تُثبِتْه معرفتُه كانت موافقتُه للصوابِ -إن وافقه مِن حيثُ لا يعرِفُه- غيرَ محمودةٍ، والله أعلم، وكان بخطئه غيرَ معذورٍ، إذا ما نَطَقَ فيما لا يُحيطُ عِلمُه بالفَرْقِ بين الخطأِ والصوابِ فيه) [الرسالة 53] ، ويروى عن ابن عباس: (مَن قال في القرآن برأيه فقد أخطأ) ، وإنَّ الكلامَ في الشريعةِ إما أن يكونَ عن علمٍ ونظرٍ في مصادرِها، أو عَن رأيٍ محض، والجاهلُ ليس عندَه علمٌ؛ فإنَّ للنظرِ في دقائقِ الوحيين آلةً ليسَت عِندَه، وشروطًا ذكرها أهلُ العلمِ لم يحصِّلْها، فما هو إلا الرأيُ المحض، وإن تأولَه عِلمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت