لِتَوْسِعَةٍ، جُبِرَ مُنْ لَهُ رِبْعٌ يُجَاوِرُهُ علَى بَيْعِه لِيُوَسَّعَ بهِ المسجدُ، وكذلكَ يُجْبَرُ ذو أرْضٍ تلاصقُ طريقًا هَدَمَهَا نَهْرٌ لا مَمَرّ للناسِ إلاّ فِيها علَى بَيْعِ طريقٍ مِنْها لَهُمْ بِثَمَنٍ يَدْفَعُهُ الإمامُ مِنْ بَيْتِ المالِ.
قالَ ابنُ رُشْدٍ: ومِمّا يُشْبِهُ ذلكَ مِنْ مَنْفَعَةِ العامّة قولُ النبِيّ صلى الله عليه وسلم: «لا يَبِعْ حاضِرٌ لِبَادٍ، ولاَ تَلَقَّوْا السّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِها إلَى الأَسْواقِ، قالَ: وقدْ كانَ بَعْضُ الشيوخِ يَقُولُ: لاَ سَبِيلَ إلَى جَبْرِ جارِ الْمَسْجِدِ على البيعِ لتوسعةِ المسجد، وكذلك ما يَجْري مَجْراه، ويَحْتَجُّ بقول النبي صلى الله عليهِ وسلّم: لاَ يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاّ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، والاحْتجاجُ بِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، لأنّ الحديثَ ليس على عُمُومِه وإنّما هُو مَخْصُوصٌ بِما يُخَصّصُهُ منْ أَدِلّةِ الشرْع، وكذلكَ ما كانَ فِي مَعْناهُ مِمّا وَرَدَ فِي القُرْآنِ والسنّةِ بِأَلفَاظٍ عَامّةٍ، ألاَ تَرى أنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله علَيهِ وسلم قَضَى بالشُّفْعَةِ للشرِيكِ على الْمُبْتاعِ، وقالَ: مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّم عَلَيْهِ قيمةَ العَدْلِ ... الحديث.
قالَ: وإذا ثَبَتَتِ الأحكامُ بالسننِ للمَعانِي والعِلَلِ وجَبَ القِياسُ عَلَيْها، فإذا وجبَ بالسننِ الثابِتَةِ فِي هَذِه المسائِلِ التِي ذَكَرْنا مِنَ الشفْعَةِ وغَيْرِها أنْ يَخْرُجَ الرّجُلَ عَمّا يَمْلِكُهُ مِنَ الأمْوالِ بِغَيرِ طِيبِ نَفْسِهِ لِمَنْفَعَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، إِزاحَةً للضّرَرِ عَنْهُ، فَذلِكَ أوْجَبُ فِي مَنْفَعَةِ عامةِ المسلِمينَ وإزَاحَةِ الضرَرِ عنْ جَمِيعِهِم.
ومن الواضحِ البَيّنِ أنّ ضَرَرَ الحرابَةِ عَلَى الناسِ، ومَنْعَهُمْ مِن الْمَكاسِبِ والتّسَبُّبِ فِي المعَاشِ أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ صَلاتِهِمْ خارجَ الْمَسجدِ ولوْ فِي المطرِ والطينِ، وكذلك ما يَجْري مَجْرَاه منَ الفُرُوعِ المنْدَرِجَةِ تَحْتَ هذه القاعدة؛ وفِي تَضْمِينَ الصُنّاع وإغْرامِهِمْ ما لم يَكُنْ يلْزَمُهُمْ بِحَسْبِ الأصْل - لولاَ مُرَاعاةُ مصلَحَةِ العامّةِ - دليلٌ ظاهِرٌ للمَسْأَلَةِ الْمُتَكَلَّمِ فِيها، هذا كُلُّه علَى أنّ الْمَأْخُوذَ إنّما هُو علَى سَبيلِ الإلْزامِ فَقَطْ، أمّا لوْ كانَ علَى سَبيلِ الالْتِزامِ بِأَنِ اجْتَمَعَ قَوْمٌ وَتَرَاضَوْا بِأَنِ التَزَمُوا أنّ مَنْ وقعَ مِنْهُ فِعْلٌ مُعَيّنٌ مِنْهُمْ فإنّهُ مُلْتَزِمٌ لأدَاءِ مَبْلَغٍ مُسَمّىً مِنْ دَراهِمَ أوْ غَيْرِها فاَلْجَوازُ ظاهِرٌ، والمسأَلَةُ حِينَئِذٍ مِنْ بابِ الالْتِزَامِ، وبابُ الالْتِزامِ يُقَالُ فِيهِ: ادْخُلُوها بِسَلام.
فالْحَقُّ هُو البُغْيَةُ المقْصُودَة، والحِكْمَةُ هِيَ الضالّةُ الْمَنْشُودَةُ، والتوْفِيقُ فَضْلٌ مِنَ الله تعالَى لاَ يَخْتَصُّ بِحدِيثٍ ولاَ قدِيم، والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يشاءُ، والله ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ، والحمدُ للهِ علَى مَا وَفّقَ إلَيْهِ وأَلْهَمَ، وَكَمّلَ مِنَ الْمَقْصُودِ وَتَمّم، وصلىّ الله علَى سيدِنا مُحَمِّد وآلهِ وصَحْبهِ وسلّم. انتهتْ فتوى أبي عبدِ اللهِ محمدِ العربِيّ بنِ الشيخِ أبِي المحاسِنِ يُوسفَ الفِهْرِيِّ الفاسِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تعالَى.
ففي فتواهُ هذهِ جملَةٌ من الأصولِ التي يُحتاجُ إليها في نازلَةِ (حماسٍ) :
منها: أن النازلَةَ التي سُئلَ عنها مفروضَةٌ مع عدمِ الإمامِ؛ وعدم التمكنِ من إقامةِ الحدودِ وإجراءِ الأحكامِ على أصلِها، قلتُ: وفي معنى عدمِ الإمامِ العجزُ عن ذلك أو عن بعضِهِ.
ومنها: تأكيدُ الشرعِ على درْءِ المفاسِدِ والإتيانِ من الأمرِ بالمستطاع.
ومنها: يزادُ في الحدّ بزيادَةِ الذنب.
ومنها: تعذر إقامةِ الحدّ مع عدمِ الإمامِ؛ وعدمِ إذعانِ القبائلِ وامتناعِهِم بالعصَبِيّةِ.
ومِنها: إذا ساغَ للإمام تأخيرُ الحدّ لِما يُخشَى من اضطرابِ الناسِ؛ فأولَى وأحرى جوازُ تأخيرِهِ مع تعذّرِ إقامةِ الحدودِ رأسًا.
ومنها: تعليلُ نَفيِ الأحكامِ في بعضِ الصورِ بُمناسِبٍ لذلكَ النفْيِ.
ومِنها: دفع المفاسدِ مقدّمٌ على جلْبِ المصالحِ.
ومنها: لا يُغَيّرُ المُنكَرُ إذا لَم يُؤمَنِ الوقوعُ فيما هوَ أنكرُ منهُ.
ومنها: أن المحظورَ يُباحُ للضرورَةِ.