فِي إِحْدَى الكُبَرِ، والذّبّاءُ ذَاتُ الوَبَر، والْمُعْضِلَةُ التِي لاَ يَبْلُغُ غَوْرَها مِسْبَارُ مَنْ سَبَرَ، ولاَ يَعْبُرُ إلَى طَرَفِ الْجَزْمِ فِيها إلاّ علَى خَطَرٍ مَنْ عَبَرَ، فَإِنْ تُرِكَ ذَلِكَ - وهُوُ غَايَةُ الْمَقْدُورِ - أَدّى إلَى أَنْ يَسْتَوْلِيَ الفَسادُ الْمَحْذُورُ، فَيَتّسِعَ الْخَرْقُ، وَيَعْظُمَ الفَسادُ فِي الْخَلْقِ، وقَدْ عُلِمَ مِنَ الشريعةِ الاعْتِنَاءُ بِدَفْعِ الفَسَادِ ومَنْعِ مَا يُشَوّشُ عَلَى العِبادِ فِي أَمْرِ الْمَعاشِ وَالْمَعادِ، حَتّى إنّ ذَلِكَ مِنَ الضرُورِيّاتِ التِي أَجْمَعَتْ عليها الْمِلَلُ، ووافَقَتْ فِيها الشرائِعُ الأَواخِرُ الأُوَلَ، وَإِنْ فَعَلَ كانَ وُلُوجًا فِي بابِ العُقُوبَةِ بِالْمَالِ.
والأقربُ فِي ذلكَ أنْ يُقالَ: إنّ مَا ذُكِرَ مِنَ العُقُوبَةِ المالِيّةِ هُوَ علَى قِسْمَيْنِ:
مَا يَرْجِعُ إلَى إِحْراقِ الْخِيامِ وَالبيوتِ، وَكَسْرِ الآلَةِ التِي يَقْطَعُ بِها الطريقَ مَثلًا إنْ كانَتِ الجنايَةُ قَطْعَ الطريقِ مَثلًا، ونَحْوُ ذَلكَ.
والقِسْمُ الثانِي: أَخْذُ مَالٍ لاَ تَعَلُّقَ لَهُ بِنَفْسٍ الْجِنَايَةِ وَلا مُناسَبَةَ فِيهِ لَهَا.
فَأَمّا القِسْمُ الأَوّلُ فَإنّهُ مِمّا يَنْخَرِطُ فِي سِلْكِ العُقُوبَةِ فِي المال، وهذا القِسْمُ الذِي هو (العُقُوبَةُ فِي المال) يَفْتَرِقُ مِنَ (العُقُوبَةِ بِالْمَالِ) بِكَوْنِ الأولِ قُصِدَ بهِ إتْلافُ مَا وَقَعَتْ بِه الْمَعْصِيَةُ، والثانِي قُصِدَ بِهِ تَأْدِيبُ فاعِلِ الْمَعْصِيَةِ.
وَأمّا القِسْمُ الثانِي: فَإنّهُ مِنْ بابِ العُقُوبَةِ بالْمَالِ ولاَ إِشْكالَ، وقدْ تَقَدّمَ أنّها مَمْنُوعَةٌ فَلا نَشْغَلْ أنْفُسَنا بأدِلّةِ تَحْرِيمِها ولا بِطَلَبِ دَليلٍ لِجَوازِها، وَلكِنّا الآنَ نَقُولُ: إنّها فِي هذا الزمانِ فِي مَحّلّ الضرُورَةِ كمَا تَقَدّمَ تَقْرِيرُه، وفِعْلُها عَامُّ المصْلَحَةِ، كمَا أنّ تَرْكَها عامُّ الْمَفْسَدَةِ، فَهيَ كُلّيّةُ الطّرَفَيْنِ، والضررُ الحاصلُ للمُعاقَبِ بِها أصْغَرُ منَ الضررِ الحاصِلِ للناسِ عامّةً بِتَرْكِها، كَمَا أنّ المصْلحَةَ الحاصِلَةَ للناسِ كافّةً بِفِعْلِها أكبَرُ مِنَ المصلَحَةِ الحاصلةِ للجانِي بِتَرْكِها، وَهذا يَعْتَمِدُ علَى قواعدَ مَعْروفَةٍ فِي الشرِيعَةِ، كُلُّها تَقْتَضِي الجوازَ للضّرُورَةِ.
فَمِنَ القواعدِ المعروفةِ المشهورَةِ أنّ الْمَحْظُورَ يُباحُ للضرُورَةِ، قالَ القاضِي أبَو عَبْدِ الله الْمَقّرِيُّ: مِنَ الأَقْوالِ الْجُمْهورِيّةِ: الضرُورَاتُ تُبيحُ الْمَحْظورَاتِ، قالَ: وَأَصْلُ ذلكَ ثابِتٌ فِي إباحَةِ الْمَيْتَةِ للمُضْطَرّ، والْخَمْرِ للغَاصّ، ومالُ الغَيْرِ لِسَدّ الرّمَقِ، وغَيْرِ ذلكَ مِنَ الفُرُوعِ التِي لا تَكادُ تُحْصَى، وأصلُه القِياسُ على الرخَصِ المباحةِ للضرورة.
وقاعدةٌ أُخْرى معروفةٌ أيضًا وهي: أنّهُ إذا اجْتَمَعَ ضَرَرانِ أُسْقِطَ الأصْغَرُ للأَكْبَرِ، وَلا خَفاءَ بأنّ إتْلافَ النّفْسِ بِتَركِ اسْتِخْلاصِها أَكْبَرُ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ، فإنّ ذَهابَ النّفْسِ أعْظَمُ ضَررًا مِنْ ذهابِ العَقْل علَى فَرْضِ السُّكْر، إذْ يُمْكنُ رجوعُ العَقْلِ ولا يُمكنُ رجوعُ النفس إلا بالبَعْث، وقدْ بَيّنَتِ الشريعةُ أنّ القتلَ أعظمُ مِنَ السُّكْرِ، كما أنهَ لا خفاءَ بأنّ ضَرَرَ العقُوبَةِ بالمالِ أَصْغَرُ مِنْ ضررِ الحَرابَةِ بِقَطْعِ السُّبُلِ ونَهْبِ أَمْوالِ الناسِ وإِخافَتِهِمْ وإراقَةِ دِمائِهِمْ.
ويَنْدَرِجُ ذلك أيضًا فِي قاعِدَةٍ مَعْرُوفَةٍ أيضًا: إذا تقابلَ مَكْرُوهان أوْ مَحْظُوران أوْ ضَرَرَان ولَمْ يُمْكِنِ الخروجُ عَنْهُما وجَبَ ارْتكابُ أَخَفّهِمَا، ولا خفاءَ أن العقوبةَ بالمالِ أخَفُّ منَ الحرابَةِ ومَا يَجْرِي مَجْراها، ولا أقلّ مِنْ كَوْنِ الحرابَةِ قدْ عُلِمَ تَحْريمُها والوعيدُ الشديدُ عَلَيْهَا فِي الدّنْيا والآخِرَةِ مِنَ الكتابِ العزيزِ نَصًّا، وذلكَ مَعْلُومٌ مِنَ الدينِ ضَرُورَةً؛ وجاحِدُ مُا عُلِمَ مِنَ الدينِ ضَرُورَةً كافرٌ، وليستِ العقوبةُ بالمالِ بِهَذِهِ المثابَةِ ولاَ ما يَقْرُبُ مِنْهَا، والنّهْيُ يَعْتَمِدُ المفاسِدَ، وَيَتَأَكّدُ بِحَسْبِ عِظَمِها، وَمَفسدَةُ الحرابَةِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ العُقُوبَةِ بالمالِ، فالعُقُوبَةِ بالمالِ أَخَفُّ، فَيَتَعَيّنُ المصيرُ إلَيْها إذا لَمْ يُمْكِنِ الخُرُوجُ عَنْها وعَنِ الحرابَةِ مَعًا، وَيَتَعَيّنُ وُقُوعُ أَحَدِهِما، فإذا كانتِ الضرورةُ عَامّةً كَمَسْأَلَةِ السؤالِ كانَ عُمُومُها وجهًا آخَرَ مُقْتَضِيًا للجَوازِ أَيْضًا، وَهِيَ قَاعِدَةُ القَضاءِ علَى الخاصّةِ لِمَنْفَعَةِ العامّةِ، ولذلكَ إذا احْتاجَ الْمَسْجِدُ مُطْلَقًا أوْ بِقَيْدِ كَوْنِهِ الجامِعَ