الدُّخُولِ فِي الدّين، وَقَالُوا: هُوَ يَقْتُلُ أَصْحابَهُ!، وَلَغَضِبَ مَنْ قَرُبَ مِنْ أهلِ هؤلاءِ المنافِقينَ المقْتُولِينَ، فَتَهِيجُ الحروبُ وتَكْثُرُ الفِتَنُ، ويَمْتِنِعُ مِن الدُّخُولِ فِي الدّين، وَهُو نَقِيضُ الْمَقْصُودِ، فَعفَا النّبِيّ صلّى الله عليهِ وسلمَ عَنْهُمْ. قالَ: وَفِيهِ دَليلٌ علَى القَوْلِ بِصِحّةِ هَذِه الذّرائِعِ، وعلَى تَعْلِيلِ نَفْيِ الأَحْكَامِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ بِمُنَاسِبٍ لذلكَ النّفْيِ.
فَقَدْ أُظْهِرَ وَجْهُ تَأْخِيرِ الْحَدّ بِظُهُورِ سَبَبِهِ، كَمَا يَظْهَرُ أَنّهُ إِنْ تَعَذّرَ الْحَدُّ وأَمْكَنَ إيقَاعُ زَاجِرٍ دُونَهُ فَإنّهُ يُؤْتَى بِمَا تَبْلُغُ الاسْتِطاعَةُ فِي ذَلك؛ بِمُقْتَضَى مُحافَظَةِ الشّرِيعَةِ علَى حِفْظِ النّظامِ ودَفْعِ الْمَفَاسِدِ - حَتّى إنّ مِنْ قَواعِدِها أنّ دَفْعَ المفاسِدِ مُقَدّمٌ علَى جَلْبِ المصالِح - أَنْ لاَ يَغْفُلَ عنْ زَجْرِ مُسْتَحِقّ الزّجْرِ وَعُقوبَتِهِ بِمَا تَبْلُغُهُ الاستطاعَةُ وَتَتَنَاوَلُهُ القُدْرَةُ، كما شَهِدَ لَهُ مُطْلَقُ الأَمْرِ بِتَغْييرِ الْمُنْكَرِ بِحَسْبِ الاستطاعةِ كما تقدّم، إلاّ أنّ جِنْسَ العُقوبة المأْلُوفَةِ فِي الشريعَةِ هُوَ العقوبَةُ فِي الأَبْدانِ كالقَتْلِ والقَطْعِ والضّرْبِ ونَحْوِ ذلكَ، سواءٌ فِي الْحُدُودِ الْمُقَدّرَةِ أوْ فِي التّعْزِيراتِ التِي هِيَ لِنَظَرِ الإمَامِ، والواقِعُ الآنَ فِي الوُجُودِ بِبُرْهَانِ العَيانِ أنّ القَبائِلَ فِي البلادِ التِي لاَ تَنالُهُمْ فيِها أَحْكَامُ السُّلْطانِ، لِتَقَلُّصِ ظِلّ الدولَةِ عنِ القُطْرِ الذِي هُمْ فِيه حَتّى صارَ قُطْرًا مُنْفَصِلًا عَنْ قُطْرِ الدّوْلَةِ، مُتّسِعَ الأَكْنافِ، مُتَنَائِيَ الأطْرافِ، مُشْتَمِلًا علًى البسائِطِ الْفيحِ، والْجِبالِ الشُّمّ التِي تَسُدُّ مَهَبّ الرّيحِ، والمدَائِنِ والْحُصُونِ والعَمائِرِ ذاتِ القبائِلِ الْمُتَشَعِّبَةِ الشُّعُوبِ والبُطُونِ، والأُمَمِ التّي تَفُوتُ آحادُها الإحْصَاءَ، وإِنْ بُولِغَ فِي الاسْتِقْصاءِ!، وهُوَ شاغِرٌ مِنَ السُّلْطانِ، قَدِ اسْتَقَلّتْ فِيهِ القبائِلُ بالأَوْطانِ، لاَ تُمْكِنُ فِيهِمُ العُقُوبَةُ فِي الأَبْدانِ!، لأنّهَمْ لاَ يُذْعِنُونَ لِمَنْ رامَ ذلكَ مِنْهُمْ، أَنَفَةً مِن تَحْكِيمِ بَعْضِهِمْ فِي أَبْشارِهِمْ بالقَتْلِ والقَطْعِ والضّرْبِ ونَحْوِ ذلكَ، ويُدَافِعُونَ عَنْ ذلكَ بِحَمِيّةِ الجاهِلِيةِ، لا سِيّما وهُم فِي أيامِ السلطانِ لَمْ يَأْلَفُوا إِقَامَةَ الْحُدُودِ ولاَ التّعْزِيرَ علَى الوَجْهِ الشّرْعِي، إِنّما كَانَتْ عقوباتُهُمْ مَغَارِمَ، ورُبّما وقَعَ قَتْلٌ أوْ غَيْرُه، كانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَظَالِمِ، إذِ لَمْ يَكُنْ مَسْلُوكًا بِهِ علَى الَمَسْلَكِ الشرْعِي، فصارَ ما أَلِفُوهُ مِنْ ذلكَ زِيادَةً فِي نُفُورِهْمْ مِنْ تَنْفِيذِ ذَلك فِيهِمُ الآن، مُتَخَيّلِينَ أنّ ذَلكَ حَيْثُ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِمْ فِي أَيّامِ السلْطانِ حَقِيقٌ بِأَنْ لا يُقامَ الآنَ!، فَكَيْفَ يَطْمَعُ فِي إِقَامَتِهِ الآنَ طامِعٌ؟!؛ فَانْسَدّ بابُ تَنْفِيذِ تِلْكَ الأَحْكامِ، وَوَقَعَ القَطْعُ وَاليَقِينُ بِأَنّ إرادةَ تَنْفيذِ ذَلكَ ومُحَاوَلَتَهُ مُوقِعٌ فِيمَا هُو أَدْهى وأَمَرُّ مِنَ الفِتْنَةِ والفَسادِ والطُّغْيانِ فِي البلادِ وبَوارِ العبادِ.
وقَدْ قالَ العُلَماءُ: لا يُغَيّرُ الْمُنْكَرُ إذا لَمْ يُؤْمَنْ أنْ يُؤَدّيَ إِنْكارُهُ إلَى أَمْرٍ أَنْكَرَ مِنْه، كالنّهْيِ عنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَيُؤَدّي إلَى قَتْلِ النّفْسِ ومَا أَشْبَهَ ذلكَ، وَمَتَى لَمْ يُؤْمَنْ مِن ذلك لَمْ يَجُزْ أَمْرٌ ولاَ نَهْيٌ. وقالَ ابنُ رُشْدٍ: فاَلأَمْنُ مِنْ ذلكَ شرْطُ جَوازِ تَغْيِيرِ المنكَر.
قالَ القَرَافِيُّ: فَإِنْ كانَ مُا يُؤْدّي إِلَيْهِ مِمّا هُوَ أعْظَمُ وَاقِعًا بِغَيْرِ الناهِي فَقَدْ اتّفَقَ الناسُ أَنّهُ يَحْرُمُ حِيَنئذٍ النّهْيُ عَنِ المنكرِ، وإنْ كانَ واقِعًا بِالنّاهِي نَفْسِهُ فقدِ اختلفُوا فِيه، فَمِنْهُم مَنْ سَوَّاهُ بالأَوّلِ نظرًا لِعِظَمِ الْمَفْسَدةِ، ومِنْهُمْ مَنْ قال: هذا لا يَمْنَعُ، والتّغْريرُ بالنُّفُوسِ مَشْرُوعٌ فِي طاعَةِ اللهِ تعالَى.
وفِي قَواعِدِ الْمَقّرِيّ: دَرْءُ الْمَفاسِدِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لا يَؤَدّيَ إلَى مِثْلِها أوْ أَعْظم.
ثُمّ إنّ القَبِيلَةَ يَتّفِقُ فِيها الواحِدُ أوْ أَكْثَرُ مِمّنْ يَشْرَئِبُّ لِتَغْييرِ الْمُنْكَرِ والضرْبِ علَى أَيْدي الْمُفْسدينَ بِمَبْلَغِ الاستطاعَةِ، فَيَتوامَرُ فِي ذلكَ معَ مَنْ أَمْكَنَهُ حتّى يَجْتَمِعَ الرأْيُ علَى مَا أرادُوهُ مِنْ ذلكَ ويَتعاقَدُوا عَلَيْه، ثُمّ إِنّهُم يَتَصَدّوْنَ لِتَغْيِيرِ المنكرِ والزّجْرِ عَنْهُ بِما أَمْكَنَهُمْ وسَاعَدَهُمْ عَلَيهِ الوَقْتُ، وَظَنُّوا أنّ قُدْرَتَهُمْ تَصِلُ إلَيْهِ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ بِحَسْبِ مَقْصودهم فِي كَفّ الفَساد؛ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الوُجود، ويكونُ رافِعًا للمُنْكَرِ بِقَدْرِ الإمْكَانِ، وغايةُ ما تَصِلُ إليه قُدْرتُهُم فِي زَجْرِ أهلِ الفسادِ وَتَغْيِيرِ المنكرِ باليدِ زَجْرُ الْمُفْسِدِينَ بِما ألِفُوهُ أَيّامَ السُّلْطانِ مِنَ العُقُوبَةِ المالِيّةِ؛ مِنْ إغرامِ المالِ؛ وَإِحْراقِ البيُوتِ وَالْخِيامِ، فإنّ هذا يُمْكِنُ إِجْراؤُهُ عَلَيْهِمْ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ السيَاسَةِ لِمَا أَنّهٌ أَمْرٌ مَالِيٌّ لاَ تَحْمِلُهُم الأَنَفَةُ عَلَى الامْتِناعِ مِنْهُ، كَما تَحْمِلُهُم علَى الامْتِناعِ مِنَ التّصَرُّفِ فِي أَبْشارِهِمْ، وَلِمَا أَنّهُم رَاضَتْهُمُ الدّوْلَةُ فِي أَيّامِهَا فَلَهُمْ سُكُونٌ إِلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَهذَا مَحَلُّ النّظَرِ