فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 269

وإِهْلاكِ الحرْثِ والنسلِ، والله لا يُحب الفساد، وذلك مُفْضٍ لِخَرابِ العُمْران، فإنّ وُفُورَهُ إنّما هُو بالأَعْمالِ العائِدَةِ بِفَضْل الْمَكاسِب، وَتعَذُّرُ تلك الأَعْمالِ عَلَيْهم، وذهابُ المكاسبِ مِن أيدِيهم مُوجِبٌ لِقُعُودِهِمْ عَنِ المعاشِ وانقباضِ أَيدِيهم عنِ المكاسِبِ التِي هِيَ مَادّةُ عَيشِهِمْ، فَيُؤَدّي ذلكَ إلَى تَلَفِهِمْ، وَتَفَرُّقِ جَمْعِهِمْ، وخرابِ أَمْصارِهِمْ، وإقْفَارِ دِيارِهِم، واختلالِ نِظَام دِينِهم ودُنياهم، وضَعْفِ نَسْلِهِم الْمُنْتَفِي عَلَى انْقِطاعِ نَوْعهِم البَشَرِي، وذلكَ مُضَادٌّ للحِكْمَةِ المقْصُودَةِ للشارِع في إيجابِ حِفْظِ الكُلّيات الضرورِيّة التي أجْمَعَتِ المللُ علَى وُجوبِ حفظها، الجامِعَةِ لصلاحِ الْمَعَاشِ والْمَعاد، فإذا مَرَجَ الناسُ ولَمْ يكنْ لَهُم وازِعٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لَمْ يَكُنْ لَهُم بقاءٌ علَى ذَلك، ولِهَذَا لا تَجِدُ اجْتِماعًا بَشَرِيًّا فِي حَضَرٍ أوْ بَدْوٍ إلا ولَهُم شَرِيعَةٌ يَدِينُونَ بِها، أوْ قَانُونٌ يُذْعِنُونَ لَه، ومَهْما خَلَوْا عَنْ ذلكَ لَمْ يَكُن اجْتِمَاعٌ، لِما جُبِلَتْ علَيْه الطّباعُ، مِن شَهْوةِ التناوُلِ وغَضَبِ الدّفَاع، فِطْرَةَ اللهِ التِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ.

ثَانِيهِمَا: أنْ يَزْجُرَهُمْ عَنْ ذَلكَ مَنْ لَهُ نَوْعُ قُدْرَةٍ على نوعٍ منَ الزجْرِ بِمَبْلَغِ قُدْرَتِه، وذلكَ مُقْتَضٍ لِدَفْعِ الفَسادِ ولصلاَحِ البلادِ وانْتِظامِ أُمُورِ العِبادِ، وهُوَ الموافِقُ للحِكْمَةِ الشرْعِيّةِ فِي حِفْظِ الكُلّيّاتِ، والجارِي علَى الْمَعْرُوفِ مِن الشريعَةِ مِنْ تأْكِيدِ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ، والإتْيانِ مِن الأَمْرِ بالْمُسْتَطاعِ؛ ومِنْ تَفاصِيلِهِ مُطْلقُ الأَمْرِ بِتَغْيير الْمُنْكَرِ، وتَرْتِيبِهِ علَى حَسْبِ الاسْتطاعَة، كما فِي حَديث أبِي سعيدٍ الخُدْرِي: قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَنْ رأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيّرْهُ بِيَدِه، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِه، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلكَ أَضْعَفُ الإيمان، (فَمِنْ) لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ الوُلاةَ وَغَيْرَهُمْ.

قال: وَمُقْتَضَى هَذَا أَنّهُ إِذَا تَعَذّرَتْ إِقَامَةُ الحُدُودِ وَلَمْ تَبْلُغْها الاسْتِطاعَةُ، وَكانَ التّغْييرُ يَحْتَاجُ إلَى إِيقاعِ الزّواجِر، وَكانَتْ الاسْتطاعَةُ تبلغُ إلَى إيقاعِ تَعْزِيرٍ يَزْدَجِرُ بِه، تَنَزّلَتْ أسبابُ الحدُودِ منزلِةَ أسبابِ التعزيراتِ، فَيجْرِي فِيها مَا هُو مَعْلُومٌ فِي التّعْزيرِ، وَلَيسَ الْمُرادُ أنّ الحدّ يَسْقُطُ بذلكَ، وَلكِنْ ذلكَ غايةُ مَا تَصِلُهُ الاسْتِطاعَةُ فِي الوَقْتِ، دَفْعًا للْمَفْسَدَةِ مَا أَمْكَنَ، وَتَوَخّيًا لِتَغْييرِ الْمُنْكَرِ عَلَى قَدْر الاسْتطاعَةِ، فَإنْ أَمْكَنَتْ بَعْدَ ذلكَ إقامَةُ الحدّ أُقِيمَ، إِنِ اقْتَضَتِ الشرِيعَةُ إِقامَتَهُ، والظالِمُ أَحقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيهِ، وَذلِكَ ثَمَرَةُ عَدَمِ الإذْعانِ لإقَامَةِ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى. انتهى.

وقدْ قالَ ابنُ العَرَبِي: يُزادُ فِي الحدّ لزيادة الذّنْب، فقدْ أُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ بِسَكْرَانٍ فِي رَمَضَانَ فَضَرَبَه مائة: ثَمانُون مِنها حَدُّ الْخَمْر، وعِشْرُون لِهَتْكِ حُرْمَةِ الشّهْرِ، وقَدْ يُقالُ: إنّ زِيادَةِ الذّنْبِ مُلاحَظَةٌ هُنَا أَيْضًا؛ بِما أَنّهَا الْمُحْوِجُ إلَى هَذا فَلَها جَانِبٌ مِنَ القَصْدِ، وَإذَا انْتِقِلَ مِنَ الْحَدّ إِلَى التّعْزِيرِ للضّرُورَةِ فَالانْتِقَالُ مِنْ تَعْزِيرٍ يَقْتَضِيهِ الاجْتِهادُ، والإمَامُ مَالِكٌ وَإِنْ قاَلَ بِوُجُوبِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ حَق الله تعالى، فإنه يَرَى أنهُ إنْ غَلَبَ ظَنُّ الإمامِ أَنّ غَيْرَ الضّرْبِ مَصْلَحَةٌ كالْمَلامَةِ ونَحْوِها فَذَلِكَ كَافٍ، فَإذا كانَ الواقِعُ مُقْتَضِيًا للتّعْزِيرِ لا لِلْحُدُودِ؛ وَوَقَعَ تَعْزِيرٌ كافٍ بِحَسْبِ الوَقْتِ اكْتُفِيَ بِه، وَتَعَذُّرُ إِقَامَةِ الْحَدّ مَعَ عَدَمِ الإمَامِ وَعُتُوّ القَبائِلِ وامْتِناعِهِمْ بالعَصَبِيّةِ وَاضِحٌ، وَإذا سَاغَ للإمَامِ تَأْخِيرُ الْحَدّ لِمَا يُتّقَى مِنِ اضْطرابِ الناسِ؛ فَأَوْلَى وَأَحْرَى مَعَ تَعَذُّرِهِ رَأْسًا وَعَدَمِ وُجُودِ الإمام، وقدْ رُوِيَ حديثُ: لا تُقْطَعُ الأَيْدِي فِي الغَزْوِ، فَوَجّهَهُ الأوْزَاعِيُّ بِأَنّهُ لاَ يُقْطَعُ السارِقُ فِي بَلَدِ الْحَرْبِ لِئَلاّ يَفِرّ إِلَى الْعَدُوّ، ويكونَ ذلِكَ علَى مَعْنَى تأخِير الْحَدّ خَوْفَ وُقِوعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْه.

وفِي الصّحيحِ فِي آخِرِ حَديثٍ، قالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسولَ اللهِ أَقْتُلُ هذا الْمُناَفِقَ، فَقالَ لَهُ النّبِيُّ: لاَ يَتَحَدّثُ الناسُ أَنّ مُحَمّدًا يَقْتُلُ أَصْحابَهُ.

قالَ القُرْطِبِيٌّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أنّ المنافِقِينَ الذين عُلِمَ نفاقُهُم في عَهْد رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانُوا مُسْتَحِقّينَ للقَتْل، لكن امْتَنَعَ النبِي صلى الله عليه وسلم مِنْ ذَلكَ لِئَلاّ يَكُونَ قَتْلُهُمْ مُنَفّرًا لِغَيْرِهِمْ عَنْ الدُّخُولِ فِي الإسْلاَمِ، لأنّ العَرَبَ كانُوا أَهْلَ أَنَفَةٍ وَكِبْرِ، بِحَيْثُ لَوْ قَتَلَ النّبِيُّ صلى الله عليه وسلّمَ هؤلاءِ الْمُنافِقِينَ لَنَفَرَ مَنْ بَعُدَ عنهمْ فَيَمْتَنِعُ مِنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت