فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 269

والأصلُ الذي ذكرهُ البرْزَلِيُّ ومن معهُ مِنَ العُلَماءِ في الفَتوى تُؤَيِّدُهُ أصولُ الشرْعِ وقواعِدُهُ؛ فما كانَ داخلًا تحتَ الاستطاعَةِ وجبتْ إقامَتُهُ، وما خرجَ عنها أُخّرَ إلى حينِ القدْرَةِ؛ كما لَوْ أكرَهَ رجُلٌ امرأةً على الزنا وجبَ علَيهِ أمرانِ: إقامةُ الحدّ عليهِ، ودفعُ مَهْرِ المِثْلِ للمُكرَهَةِ على الزنا وهو قولُ جماهِيرِ الفقهاءِ من المالكيةِ والشافعيةِ والحنابلَةِ خلافًا للحنفِيةِ، أو دفعُهُ معَ أرْشِ البكارَةِ - وهو رِوايَةٌ عن أحمدَ - إن كانتْ بكرًا، فمعَ العجزِ عن إقامَةِ الحدّ لا يسقطُ هذا الثانِي، بلْ يجبُ؛ لعمومِ قولِهِ تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، وقَدْ اشتدّتْ الحاجَةُ إلى مِثْلِهِ في زمانِنا هذا خاصّةً؛ حَيثُ عُطّلَتْ الحدُودُ وكَثيرٌ من أحكامِ الشرْعِ في كثيرٍ مِنْ أمصارِ المسلمينَ، وتعَذّرتْ إقامَتُها في كثيرٍ من الأحوالِ على الصالحِينَ مِن الأمراءِ ورؤُسِ الناسِ؛ فلا تَبْلُغُها الاستطاعةُ، بل هذا هو الواقعُ في نفسِ الأمرِ بينَ أمراءِ المجاهِدينَ وجماعاتِ المسلمينَ؛ ولا يَسعُهُم العملُ في مثلِ هذا إلا بِمُقْتَضى فتْوى البرزَلِي!، وإن كانوا أو أكَثَرُهُم لَم يَطّلِعُوا عَلَيها.

ثمّ لما كانَ القرنُ الحادِي عشرَ كثُرت الاضطراباتُ والفتَنُ في بلادِ المغرِبِ أيامَ حكْمِ السعدْيّينَ، وضَعُفَ أمْرُ السلطانِ في بعضِ الأطرافِ؛ وعُدِمَ وجُودُهُ في بعضِ النواحِي والقُرَى، وطَمِعَ النصارَى في الاستيلاءِ على البِلادِ، وهي المُدّةُ التي تكلّمنا فيها عنْ قيامِ العياشِيّ بِجهادِ النصارَى وفتاوي العلماءِ في الردّ على من شرَطَ الإمامَ للجِهادِ كما ذكرتهُ في (سل الحسام) ، فاشتدّتْ الحاجَةُ في هذه المُدّةِ إلَى الفتوى في العجزِ عن إقامةِ الحدُودِ معَ القدْرَةٍ على ما هوَ دُونَها، وكتبَ في ذلكَ العلامةُ الفقيهُ أبو حامِدٍ العربِيُّ الفاسيُّ فتوى مُطوّلَةً مُحَرّرَةً، ذكرَ فيها الضوابطَ الشرْعِيةَ والأصولَ المرْعِيّةَ التِي تتخرّجُ عليها هذهِ النازِلَةُ المذكُورَةَ.

فَقَالَ المَهدَي الوازانِي صاحبُ النوازل: وسئل سيدي العربِي الفاسيُّ (يعنِي: أبا حامدٍ) عن القبائلِ في هذا الزمانِ ظهرَ فيهم الفسادُ والحرابةُ لعدمِ السلطانِ، فهلْ إذا أمكنَ رجوعهم بالعقوبةِ الماليةِ تُرتكبُ للضرورَةِ؛ إذا لم يمكن بغيرها لعدمِ السطانِ في الوقت، والتّعَرُّضُ لغيرها يُوجِبُ ما هوَ أفحشُ وأنكرُ؟.

فأجاب بعد المقدمة: مَا ذُكِرَ فِي السؤَالِ مِن إِغْرامِ أهلِ الحَرابة وغيرِهِم مِن أهلِ الجنايات ما يكونُ زاجرًا ورادعًا لَهُم من بابِ العقُوبةِ بالمالِ، والمعروفُ عدمُ جوازها، وقد أفتَى بجوازِها الشيخُ أبو القاسم البَرْزَلِيُّ رحِمَهُ الله تعالى واستدَلّ لَها بِوُجُوهٍ، وأَمْلَى فِي ذلك جُزْءًا، وَرَدّ علَيْه مَا ذهبَ إليه مِن جوازِها عَصْرِيُّه وبَلَديُّه الشيخُ أبو العبّاسِ الشمّاعُ رَحِمَه الله تَعالَى، وَألّفَ عَلَيْهِ تألِيفًا دلّ علَى تَبَحُّرِهِ واتساعِ عِلْمِه، ونقضَ كلّ ما عقدَهُ الشيخُ البَرْزَلِي، إلا أنّ كلامَ البَرزَلِيّ ومنْ ردّ علَيْهِ مَفْروضٌ معَ وُجُودِ الإمامِ وتَمَكُّنِهِ مِنْ إقامَةِ الحدُودِ الشرْعِيّةِ وإِجْراءِ الأَحْكامِ الشرْعِيّةِ علَى أَصْلِها، ولا شكّ أنّ العُدُولَ عَن الحُدُودِ الشرعِيّةِ مع إمْكانِها إلَى غَيرِها تبديلٌ للأَحْكامِ وإضاعَةٌ للحُدُود، وقُبْحُ ذلكَ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلَى بَيَانٍ واستدلال، والنازِلَةُ المسؤُولُ عَنْها مَفْروضَةٌ معَ عَدَمِ الإمامِ، وعدَمِ التمكُّنِ منْ إقامةِ الحدودِ وإجْراءِ الأحْكامِ علَى أَصْلِها، فَمَوضُوعُ مَسْأَلَتِهِمْ - البَرْزَلِيُّ ومَنْ ردّ عَلَيْهِ - غَيْرُ موضوعِ المسأَلَةِ المسؤُولِ عَنْهَا، والْمُجيزُ للعقوبةِ بالمال في مسألَتِهم مُجيزٌ لها فِي هذه المسألةِ مِنْ بابِ أَوْلَى وأَحْرى، والمانِعُ هُنالِكَ لا يَمْنَعُ هُنا، فإنّه إذا خَلا الوَقْتُ مِنَ السلْطانِ، وكانَ الناسُ فَوْضَى لا إمامَ لَهُم، وتَعَذّرَتْ إقامةُ الحدُودِ لِعَدَمِ التّمَكُّنِ مِن إقامَتِها، فَأمْرُ الناسِ حينئِذٍ دائرٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ:

أَحدِهِما: إهمالُهم أَلْبَتّةَ؛ فَلا يُزْجَرُون عنْ مُوجِباتِ الحدُودِ ولا غَيْرِها بِحَدٍّ ولا تَعْزيرٍ!، وَعِظَمُ المفْسَدَةِ فِي ذلكَ يُغْنِي فِيهِ العَيَانُ عَنِ البَيَانِ، وَلا سِيّمَا مَا يَرْجِعُ إلَى الحَرَابَةِ وَنَهْبِ الأَمْوالِ وتَسْعِيرِ البلادِ وَقَطعِ الأَسْبابِ والفسادِ فِي الأرضِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت