فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 269

956)، وكتبا في ذلكَ كتابا أرسلاهُ إلى قبائلِ غمارةَ للعمَلِ بمَضمونِهِ، ومما اشتَمَل عليه: أن مِن ارتكبَ معصيةً يُؤخَذُ منهُ مقدارٌ من المالِ؛ ويُصْرَفُ في فداءِ الأسرَى وسدّ الثغورِ، وكانا يطوفانِ على القبائلِ صُحبةَ بعضِ الفقهاءِ كالفقيهِ موسى بن الوزانِي (ت: 970) ؛ وأبي الحسنِ بن عرضون (ت: 929) ؛ يأمرونَ رؤساءَ القبائلِ بأخذِ المغرَمِ وصرْفِهِ في الغايَةِ المذكورَةِ، وقد أقرهما على ذلك السلطانُ محمدُ السعدِيُّ ورضيَ فتوى البرْزلي.

وخلاصَةُ فتْوى أبي القاسِمِ في قَوْلِهِ: والذِي أقولُهُ الآنَ في بَوادِي أفريقيّةَ وأعرابِها؛ والبلادِ النائيةِ عنها من الحواضرِ التي هي محلُّ بثّ الشرْعِ، وغلبَ عليهمُ الجهلُ؛ والتعرّضُ للأموالِ؛ والأخذُ بالدماءِ؛ والهروبُ بالحَريمِ؛ وأخذُ الأموالِ بالخيانةِ والغش؛ والحرابةِ والمعاملات ِالفاسدَةِ؛ أن يُفعَلَ بِهم ما يقطعُ هذهِ المفاسدَ من التعَرُّضِ لبعضِ مالِ الجُناةِ وبدَنِهِ وسجنِهِ، عقوبةً له؛ فيوقفَ من مالِهِ ما يَحْسمُ بِهِ مادّتَهُ؛ إما بإعطائهِ للمجنِيّ عليهِ، أو يُردّ عليهِ إن حسُنَتْ حالهُ؛ أو يوضعُ في بيت المال؛ أو يتصدّق بهِ، كما هو في بَعْضِ المسائلِ الآتي ذكْرُها؛ وهذا الذي تدلُّ عليهِ بعضُ المسائلِ المالكيةِ؛ والقواعِدُ الشرعيةُ الاجتهادِيةُ. انتهى.

ولَما وصلتْ هذه الفتوى إلى فقهاء المغربِ في القرْنِ العاشرِ الهجرِي؛ قيّدَ عليها جماعةٌ من العلماءِ؛ كأبي سالِمٍ الكُلالِي؛ وأبي حامدٍ محمد العربيّ الفاسِي (ت:1052) ؛ واختلفوا فيها بينَ مؤيّدٍ ومانعٍ، وممنْ نصرَ القولَ بِها من المتأخرينَ مقيدًا بشروطٍ: الشيخ مَيّارةَ (ت: 1072) ؛ والتسولي: (ت: 1258) ، وكانَ مما استندَ إليهِ المؤيّدُونَ رعايةُ المصلحةِ للضرُورَةِ، فأجازوا تطبيقَ العقوبةِ بالمالِ خاصةً فيما نأى من البلادِ عن حكمِ السلطانِ، كما سيأتي في فتوى أبي حامدٍ إن شاء الله.

قالَ مُقيدُهُ عفا الله عنه: السؤالُ وإن وقعَ عن عقوبَةِ ذَوي الجناياتِ بالأموالِ؛ إلا أنّ العبْرَةَ بِما في الفتْوى من العمومِ كما ترَى، وهو إقامةُ التعزيراتِ عنْدَ العجزِ عن إقامَةِ الحدُودِ، وإلاّ فَفِي حاشيةِ الدسوقِي: وَأَمَّا لَوْ زَنَى رَجُلٌ مَثَلا فَلا قَائِلَ فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ يُؤَدَّبُ بِالْمَالِ، وَإِنَّمَا يُؤَدَّبُ بِالْحَدِّ، وإنما أردْنا بذكرِ هذه الفتوى أن نشيرَ إلى الأصلِ التي بُنِيَتْ عليهِ، وقد أشارَ البرزَلِي في فتواه إلى هذا بقوله: أن يُفعَلَ بِهم ما يقطعُ هذهِ المفاسدَ من التعَرُّضِ لبعضِ مالِ الجُناةِ وبدَنِهِ وسجنِهِ، عقوبةً له. انتهى، وليسَ إيقاعُ التعزيرِ عندَ العجزِ عن إقامةِ الحدّ من قبيلِ صنيعِ اليهودِ في التواطُؤِ على الجلدِ والتحمِيمِ مكانَ الرجْمِ، لأنّ ذلكَ مع القدْرَةِ على إقامةِ حكمِ الشرْعِ الذي هو الرجمُ، وأما الذي هُنا فالحامِلُ عليهِ العجزُ عن إقامَةِ الحدّ؛ وبينَهُما فرْقٌ ظاهِرٌ.

وهذا الذي قالَ بهِ البرزَلِيُّ وغيرُهُ خالَفَهُ فيهِ جماعَةٌ من العلماءِ؛ كالشيخِ مُحمدِ بن مرزوق؛ ويعقوبَ الزُّغْبِي، بل قال الونشريسيُّ كما في بلغةِ السالك للصاوي: أما العقوبَةُ بالمالِ فَقَد نصّ العلماء على أنّها لا تَجوز، وفَتْوى البَرْزَلِيّ بتَحْلِيلها لم تزلِ الشيوخُ يعدّونَها من الخطأ. انتهى. ومنْهُم من شدَّد النكيرَ عليهِ واتّهَمَهُ بالخروجِ عن الإجماعِ؛ كالقاضِي أبِي العباسِ الشمّاعِ الهنْتانِيّ (ت: 833) ؛ فقد ألف في الردّ عليهِ رسالَةً سمّاها: مَطالع التمام؛ ونصائحَ الأنام؛ ومَنجاةَ الخواصّ والعوامّ؛ في رَدّ القوْلِ بإباحَةِ إغرامِ ذَوي الجِناياتِ والإجرامِ؛ زيادَةً على ما شرَعَ اللهُ من الحدودِ والأحكام.

وفي حاشيةِ الدسوقي: وَمَا يَفْعَلُهُ الوُلاةُ مِنْ أَخْذِ الْمَالِ فَلا شَكَّ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت