فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 269

وإنْ قالَ: إنّما قُلْتُ ذلكَ لأنّ (حماسًا) لا تُقِيمُ أحكامَ الشْرعِ!، قيلَ له: قدْ بَينا لكَ الفُرقانَ بينَ الإعراضِ عن أحكامِ الشرْعِ رضًا بغَيرِ الإسلامِ من الشرائعِ الوضْعِيّةِ؛ وبينَ تركِ بَعْضِ هذا للعجْزِ عنْهُ، ومن طالَبَ العاجِزَ بِفعلِ ما يَعْجَزُ عنهُ فقدْ كلفَهُ بما لَم يكَلّفهُ الشرعُ بهِ، ثُمّ إنّ وجْهَ العجْزِ عن التكليفِ قدْ يكونُ ظاهِرًا كالمرضِ المُقْعِدِ عن القيامِ للصلاةِ فيستوي في العلمِ بهِ العامّ والخاصُّ، وقدْ يكونُ خفِيّا لا يتأتّى فَهْمُهُ على وجْهِهِ إلا لأهْلِ الحلّ والعقْدِ من عُلماءِ المسلمينَ وأمرائِهِم، كالحالِ في نازلةِ (حماسٍ) هذهِ، ولذا أمرَ اللهُ تعالَى بالرجوعِ إليْهِم في فَهْمِ ما يعرضُ من ذلكَ؛ فقال: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} ؛ فدَلّتْ هذه الآيَةُ وغيرُها على أنّ الرجوعَ إلى رأي أهلِ الحلِّ والعقدِ فيما يتعلّقُ بالمصالحِ العامّةِ للمسلمينَ من أوجَبِ الواجِباتِ، وأن فَهْمَ الوجوهِ الخفيّةِ المُتعَلّقَةِ بمصالِحِ المسلمينَ يختصّ بِهِ أكابِرُ الناسِ وعلماؤهُم وأهلُ الحلّ والعقْدِ مِنْهُم، وأنّ الانفرادَ بالرأي في أمرٍ يتعلّقُ بمصالحِهِمْ وتلحَقُهُم تَبِعاتُهُ خارِجٌ عنْ هدِي الشرْعِ الحكيمِ، وما جَرّ إلَى ما وقعَ بينَ المسلمينَ هناكَ في غزّةَ من الفتَنِ إلاّ الخروجُ عن هذا الهَدْي القويمِ!، ولله عاقِبةُ الأمُور.

وأما ما ذكرَوهُ منْ أنّ (حماسًا) شَرّعَتْ قانونًا يقضي بِعُقوبَةِ الزانِي خمسةَ عشرَ عامًا، فأقولُ أولًا: لا عِلْمَ لي بِهذا، والواجبُ التثَبُّتُ مِنْهُ، ولولا أنّ الناقِلَ رتّبَ عليهِ الحُكْمَ بالتكْفِيرِ لكانَ المتَعّيِّنُ التحَققَ من نِسبَتِهِ إليهِم أولًا، أما وقدْ جَعلَهُ المُخالِفُ مُستَنَدًا للتكفِيرِ فلا بدّ من التفصيلِ والبَيانِ:

فأقولُ وبالله التوفيق: هَهُنا صُورَتانِ:

الأُولَى: أنْ يكونَ ذلكَ على سبيلِ التشريعِ مُضاهاةً للهِ في حُكْمِهِ، وإنزالًا لآراءِ البشَرِ وأهوائِهِم منزِلَةَ الشرْعِ المنزّلِ من عندِ اللهِ، فَهذا شرْكٌ باللهِ تعالَى في حكمهُ وكفْرٌ بدينَ الإسلامِ ولا شكَ، ونحْنُ بِحمدِ اللهِ تعالَى نُحْسنُ الظنّ بحماسٍ لِحُسْنِ عَهدِها بالإسلامِ، وذلكَ يوجِبُ علينا أنْ نرْبأَ بِها عن هذا الصنيعِ.

الثانِي: أن يكونَ الحامِلُ على ذلكَ هو ما ذكَرناهُ من أسْبابِ العَجْزِ عن إقامَةِ جميعِ أحكامِ الشْرعِ، ومْنها إقامَةُ الحُدُودِ، فإنّ قرائنَ الأحوالِ شاهِدَةٌ بذلكَ، وحُسنَ الظّنِّ ناطِقٌ بِما هُنالكَ، وَوَجْهُ هذا: أنهُ لَما تَعَذّرَ إجراءُ الأحكامِ الشرْعِيّةِ في الحُدودِ أو بَعْضِها على أصُولِها للعجزِ عن ذلك كما ذكرناهُ؛ وأمكنَ إيقاعُ الزواجِرِ الرادِعِةِ دونَ الحُدودِ، أتَوْا بِما تبْلغُهُ الاستِطاعَةُ من هذا، فَجُعِلَتْ مِثلُ هذه العقوبِةِ تعزِيرًا وزَجْرًا، وجعِلَ سبَبُ الحَدّ بمَنزِلَةِ أسبابِ التعزيراتِ قياسًا على الرخَصِ المُباحَةِ للضرُورَةِ، ودفعًا لأعظمِ المفسدَتَينِ بارتكابِ أدناهُما، ومنعًا للمنكَرِ على قدْرِ الاستطاعَةِ، مراعاةً للمصالحِ العامّةِ للمسلمينَ.

ومِما يُشبِهُ هذا ما وقعَ فِي بلادِ المغرِبِ الأقصَى أوائلَ القَرْنِ التاسعِ الهِجْرِيّ، حَيُثُ كَثُرَ الفسادُ والعُدْوانُ على الدماءِ والحريمِ في بَعْضِ بَوادِي أفْريقِيّةَ وأعرابِها؛ وفي البلادِ النائِيةِ عن حواضِرَ الإسلامِ، فاستُفْتِي العُلماءُ فيما إذا تعذّرَ إجراءُ الأحكامِ الشرْعِيةِ على مَن ارتكبَ جرحًا أو قطعًا أو هروبًا بامرأةٍ؛ أو أخذ مالا بسرِقَةٍ أو خيانةٍ؛ أو بحرابَةِ؛ أو نحوِ ذلك من التعدّي والغصْبِ؛ فهَلْ يجوزُ أن يُعزّرَ أمثالُ هؤلاءِ بِما يقطعُ هذهِ المفاسِدَ أو يقلّلُها منْ تغْرِيمِ ذوي الجناياتِ منْهُمْ أموالًا عقوبَةً على ما يقترِفونَهُ من ذلكَ؛ أم لا؟.

وقدْ وقعَ النزاعُ بينَ العلماءِ رحمهم الله حولَ هذه المسألة في تونُسَ أوائلَ المحرّمِ من سنةِ (828) ؛ فكتبَ في تجويزِ ذلكَ الحافظُ أبو القاسمِ أحمدُ البرْزَلِيُّ (ت: 843) ؛ وأفتَى بجوازِ العقوبَةِ بالمالِ؛ وألّفَ رسالةً في ذلكَ؛ ومِمّنْ نصرَ هذا القولَ حماعةٌ من العلماءِ منهمْ الفقيهانِ أبو محمد عبدُ الله الهبطي (ت: 963) ؛ وأبو القاسمِ بن خَجّو الحساني الخلوفي (ت:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت