وحالُ (حماسٍ) فيما تَعتذرُ بهِ عن إقامةِ أحكامِ الشرْعِ لا يَخرُجُ عن هذا الذي ذكَرْناهُ، وَسواءٌ قَبِلَهُ المُخالِفُ عُذرًا في نفسِ الأمرِ، أو لا؛ فلا يَحِلُّ القولُ بالتكْفِيرِ معَ قيامِ المانعِ المذكورِ، كما يقولُ بهِ من يُكَفّرُها لأجلِ ذلكَ.
وحالُ حماسٍ في غزّةَ إن لم يكنْ حالَ المسلمينَ في دارِ الحرَبِ؛ فَهُو وسطٌ بينَ دارِ الحربِ والثغرِ المَخُوفِ، فَهُم مُحاصَرُونَ يُرْمَونَ عن قوسِ واحِدَةٍ، فاليهودُ وحلفاؤهم من الصليبيينَ من أمامِهم، ورومُ العربِ! من ورائِهم؛ فهم كما قيل:
وسِوى الرُّومِ خلفَ ظهْركَ رومُ ... فعلَى أيّ جانِبَيكَ تميلُ؟!
فالعَدُوُّ يقْصِدُهُم مَتى شاءَ؛ ويغْزُوهم متى شاءَ، لا يَرْدَعُهُ رادِعٌ ولا يَزْجُرُهُ زاجِرٌ، وقد انقطعَ عنهم الناصِرُ والمعينُ!، والله وليُّهم ووليُّ المؤمنينَ.
وأيضًا فالناسُ قَدْ طالَ عهدُهم بالاحتِلالِ؛ ونأى بِهِمُ الزمانُ عن سُلطانِ الإسلامِ، وقدْ كَثُرَتْ فيهم الأحزابُ والفرَقُ الشيوعِيّةُ والعلمانِيةُ التي ما فتئتْ تعيثُ بعقولِ المسلمينَ هناكَ فسادًا وإفسادًا منذُ عشراتِ السنين!،، وأهلُ البلادِ قبائلُ كثيرَة، وعشائرُ وفيرَة، ويقعُ بَينَهُم ما يقعُ بَينَ الناسٍ؛ ولَم يَزل (الاستعمارُ) البريطانِيُّ وما تلاهُ يَتخذُ ذلكَ ذريعةً للتحريشِ بَينَهُم!، فإقامةُ أحكامِ الشرْعِ في مثلِ هؤلاءِ وفي مثلِ هذه الحالِ التي تُحيطُ بتلكَ البلادِ يَحتاجُ إلى توطِئَةِ وتمهيدٍ تتهيأُ معهما النفوسُ إلى قبولِ ذلكَ، خاصّةً وأنّ العَدُوَّ ومن يتربّصُ بالمسلمينَ الدوائرَ منَ الأممِ الكافَرَةِ يَتخِذُونَ سَعيَ حَماسٍ في إقامَةِ أحكامِ الشرْعِ ذرِيعَةً للتأليبِ عَليْها؛ وتكثيرِ خصومِها، وإثارَةِ العداواتِ والإحَنِ بينَ الناس؛ وإشعالِ نارِ الحربِ بينهم؛ معَ زيادَةِ التضييقِ والحصارِ عليهم؛ حتّى يظُنَّ الجُهّالُ مِن العامّةِ أنّ إقامةَ أحكامِ الشرْعِ سَببٌ لذلكَ كُلِّهِ!، فَينْفِروا منهُ جملَةً واحدةً!، وهذا الذي حكيناهُ في هذه النازِلَةِ في معنى العجز عن إقامةِ الحدود، بل هوَ أولَى من القولِ بتأخيرِ إقامَةِ الحدّ في دارِ الحربِ، والظاهِرُ من حالِ (حماسٍ) وسعيِها في صلاحِ أحوالِ الناس ودينِهِم؛ والعملِ بالقضاءِ الشرْعِيّ بِينَهُم على قدْرِ الاستِطاعَةِ؛ قَرينَةٌ على أنّ ما تركوهُ من ذلكَ إنما تركوهُ إلى حينِ التمكُّنِ منهُ والقدْرَةِ عليهِ.
وبَعْضُهم يعترضُ على هذا بقوله: إن كانُوا قادِرينَ على مقاتلَةِ العدُوِّ الصائلِ؛ فكيفَ لا يقدِرُونَ على إقامةِ أحكامِ الشريعَةِ كلّها؟.
والجوابُ: أنّهُ لا يلزمُ من القدْرَةِ على مُقاتَلَةِ العُدوّ الصائلِ القُدْرَةُ على إنفاذِ جميعِ أحكامِ الشرْعِ، فإن مقاتلَةَ الغزاةِ مما تجتمعُ عليها كلمةُ الناسِ عادَةً، حتّى إنّهُ ليشتَرِكُ فيهِ المسلمُ وغَيرُهُ، بلْ ذكرَ ابنُ تيميةَ رحمهُ اللهُ أنّ انشغالَ الناسِ بالجهادِ مما يزيلُ الخصوماتِ بينَهم!، أما إنفاذُ أحكامِ الشرْعِ فتحتاجُ إلى قُدْرَةٍ يتحقّقُ بها مقصودُ الشرعِ كما ذكرْناهُ؛ وتؤمَنُ معها حصولُ مفسدَةٍ يفوتُ بِها مقصودُهُ، وقد ذكرنا لك قولَ الأئمةِ رحمهم الله في تأخير إقامةِ الحدّ في دارِ الحرْبِ، مع أنّ السلطانَ ومنْ مَعَهُ من الجندِ إنما دخلوها للجهادِ في سبيلِ اللهِ.
وقولُ المُعْتَرِضِ إنّهُم قَدْ قاتَلُوا (الموحّدينَ) منَ المسلمينَ الذينَ يُطالِبُونَ بإقامَةِ أحكامِ الشريعَةِ هناكَ. يقالُ في جوابهِ: قدْ خابَ من قاتَلَ المُسْلمَ لأجلِ إسلامِهِ وخسرَ؛ وخابَ كلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ!، ولكِنْ أَثْبِتِ العَرْشَ ثُمَّ انْقُشْ، ومِن أينَ لكَ أنّ قِتالَ (حماسٍ) كانَ لهِذِهِ الغايَةِ حتّى حكمْتَ بكُفْرِها لأجلِ ذلكَ؟!، إن كانَ لأجْلِ أنّ المخالِفَ لها كانَ يُطالِبُها بِتَحكِيمِ الشرْعِ، فيلزمُ من هذا أن تَحكُمَ على كلّ من قاتَلَ مطالبًا بتحكيمِ الشرعِ بنفْسِ حكمِكَ على (حماسٍ) !، فاحكمْ بهذا على عليّ بن أبي طالِبٍ رضيَ اللهُ عنهُ ومن معه إذنْ لأنّ الخوارجَ الذينَ قاتَلُوهم كانوا يطالِبونَ بتحكيمِ الشرْعِ أيضًا!.