فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 269

ولَسنا ننازِعُ في أن تحكيمَ شريعَةِ الإسلامِ فرضٌ لا يسعُ (حماسًا) تركُهُ؛ ولا أنّ تحكيمَ الشرائعِ الوضْعِيّةِ شِرْكٌ باللهِ في حُكمِهِ، لكنّ تحكيمَ الشرْعِ - ومنهُ إقامَةُ الحدُودِ - شأنَهُ شأنُ جميعِ التكالِيفِ الشرْعِيّةِ؛ إنما تجبُ مع القدْرَةِ علَيها، وما عجزوا عنهُ سقطَ إلى حينِ القدْرَةِ علَيْهِ، وهذه مِن القواعِدِ المتّفَقِ عليها بينَ أئمةِ المسملمينَ رحمهم الله.

لكنّ هَهنا أمرًا قلّما يَتَنبّهُ الناسُ إليهِ؛ وبمثلِهِ يَزلُّونَ!؛ ولذ وجبَ التنبيهُ عليه، وهوَ أن المُرادَ بالقُدْرَةِ على إقامَةِ أحكامِ الشرْعِ كالحدُودِ والأمرِ بالمعروفِ والنهْيِ عن المُنْكَرِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ وغيرِ ذلكَ؛ ليستْ هيَ القُدْرَةَ على إيقاعِ الفِعْلِ فَحَسْبُ!، بل المرادُ القُدْرَةُ التي يَتحقّقُ بِها مَقصودُ الشارِعِ من إقامَةِ الحُكمِ، فإنّ الثلاثَةَ والأرْبَعَةَ مَثلًا في حُكمِ العادَةِ قادِرُونَ علَى قطْعِ يدِ السارِقِ؛ أو رَجْمِ الزانِي، لكنْ لَمّا كانَ مقصودُ الشرْعِ من إقامَةِ الحُدودِ - وهو تأمينُ السبُلِ ورَدْعُ الناسِ عن مواقَعَةِ نَحوِ هذه الأعمالِ - لا يَتحَقّقُ بصنيعِ الآحادِ من الناسِ؛ شرَعَ لَهُ حَدًّا من القُدرَةِ زائدًا على مطْلَقِ القُدْرَةِ على الفعْلِ، يَتَحَقّقُ بِهِ مقصودُهُ، ولذا شرَطَ الأئمةُ رَحِمهم اللهُ تعالَى لإقامَةِ الحدِ السلطانَ، لأنهُ الذي يرتدِعُ بهِ أهلُ الفسادِ والإجرامِ.

فَحَيثُ فاتَ مقصودُ الشارِعِ مِنْ إقامَةِ الحدُودِ صارَ في معنى ما عَجَزَ عنهُ فيسقطُ وجوبُهُ إلى حينِ القُدْرَةِ عليهِ، ولذا قالَ من قالَ من الأئمّةِ رَحمَهُم اللهُ بالمنْعِ من إقامَةِ الحدِّ في دارِ الحَرْبِ لما يُخْشَى من لَحاقِ المحدُودِ بالكفارِ، وقد تأخُذُ الحَمِيّةُ غَيرَهُ من الجُندِ فيلْحقونَ بهِ، ورُبما جَرّأَ ذلكَ ضعافَ النفوسِ من الجندِ فحذَوا حذْوهُ في ارْتكابِ المحظورِ والفرارِ من الحدّ باللحاقِ بدارِ الحَربِ!، ورُبّما كانَ المَحدُودُ أميرًا فَتنكَسِرُ نفوسُ الجندِ ويطمعُ العدُوّ في أهلِ الإسلامِ، فيقعُ بذلكَ في صفوفِ المسلمينَ شرٌّ عريضٌ!، وهذا الذي يذكرونهُ هنا في معنى العجزِ عن إقامةِ الحدّ؛ وإن كانَ السلطانُ قادرًا على إنفاذِهِ بالفعْلِ، لكنْ لما كانَت المفسدَةُ المتَرتّبةُ عليهِ أرجحَ من المصلَحةِ المرجُوّةِ من إقامَتِهِ، معَ فواتِ مقصودِ الشارِعِ من إقامَتِهِ؛ كانت إقامتهُ ممنوعًا منْها إلى حينِ القدْرَةِ على إنفاذهِ خلِيًّا عن المفسدَةِ المذكورَةِ.

ومِن تَرَكَ إنكارَ شيءٍ من المنكَرِ لعجْزِهِ عن تغييرِهِ؛ أو تركَ الأمرَ بشيءٍ من المعروفِ لِخُروجِهِ عن حدّ الاستِطاعَةِ لَمْ يكنْ في الحكمِ كَمنْ تركَ ذلكَ مع القدْرَةِ عليهِ، وهكذا الحالُ في السلطانِ والوالي - كما قالَ شيخُ الإسلامِ رحمهُ الله - يكونُ في نفسهِ أمورٌ من العدْلِ يُرِيدُ أن يعملَ بِها فلا يَقْدِرُ على ذلكَ ويَعْجَزُ عنهُ؛ لإفضائهِ إلى مفسدَةٍ أعظمَ أو غيرِ ذلكَ من الأسبابِ، فمنْ تركَ المنكَرَ لعجزِهِ عن إزالِتِهِ لَمْ يصِحَّ أن يُنْسَبَ إليْهِ الرضًا بِهِ، ولا أنْ يُرْمَى بالإعراضِ عن الشرْعِ، خاصّةً إن كانتْ قرائنُ الأحوالِ تشْهَدُ لهُ بسلامَةِ النيةِ والقصدِ، وقد ذكر الطبرِيُّ رحمهُ اللهُ أن عليا رضي الله عنه قالَ لطلحةَ والزبيرِ لما شرطا عليهِ إقامةَ الحدودِ في قاتلي عثمانَ: يا إخوتاهُ إنّي لستُ أجهلُ ما تعلَمونَ؛ ولكني كيفَ أصنعُ بقومٍ يَمْلكوننا ولا نملكهمْ!؛ هاهمُ هؤلاءِ قد ثارتْ معهم عُبدانُكم؛ وثابت إليهمْ أعرابُكم. انتهى، وفيهِ دليلٌ على أن السلطانَ وإن كانَ مُمكنًا قدْ يعجزُ عن إقامةِ الحدودِ في بعضِ المواطنِ، وقد كانَ للإمارَةِ الإسلامِيةِ في أفغانستانَ من التمكينِ أضعافُ ما لحماسٍ؛ ولم تكنْ مع ذلكَ قادرَةً على إنفاذِ جميعِ أحكامِ الشرْعٍ، فقدْ منَعتْ كثيرًا مما يقعُ عندَ القبورِ والمزاراتِ من أعمالِ الشرْكِ والبِدِعِ كالطوافِ حولَها ونحْوِ هذا؛ ولَم تكنْ قادِرَةً على هدْمِ هذهِ المشاهِدِ، ولا منْعِ الناسِ عنها جملَةً واحِدَةً؛ معَ أنّها كانتْ تسعَى في إزالَةِ ذلكَ إلَى أيامِها الآخِيرَة؛ وكنتُ بحمدِ اللهِ تعالَى شاهِدًا ومشاركًا في بعضِ هذهِ الوقائعِ، ومعَ هذا فقدْ كانَ بعْضُ الجهلَةِ يُكَفّرُها بذلكَ لأنّها تَحمي مشاهِدَ الشرْكِ بِزعمهِ!؛ والأمرُ ما حكيْتُهُ لكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت