فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 269

الإسلامِ؟!!، وسواءٌ رَضِيَ المُخالِفُ هذا العُذْرَ فِي نَفْسِ الأمْرِ أم لَم يَرْضَهُ فإنّ القولَ بالتكْفِيرِ - والحالُ ما ذكرْناهُ - غُلُوٌّ في الدينِ؛ وخرُوجٌ عن طريقَةِ العلماءِ المُحققينِ، والله يهدِي من يشاءُ إلى صراطٍ مُستَقِيم.

وقَدْ اعْتَرضَ بعضُهمْ بأن النبيّ صلى الله عليهِ وسلم حوصِرَ وقومُهُ في شعبِ أبي طالِبٍ ثلاثَ سنينَ، فما صنعَ النبيُّ صلى الله عليهِ وسلمَ شيئًا مما تصنَعَهُ (حماسٌ) تخفيفًا عن قومِهِ؛ وقد اشتدّ بِهم الحصارُ والجوعُ والأذى.

قُلتُ: فَمُرُوا حماسًا بالكَفِّ عن القتالِ إذَنْ!، أمّا والجِهادُ فَرْضٌ على مَن حضَرَ من المُسلمينَ هُناكَ لِمُدافعَةِ العدُوّ الصائلِ؛ وهُم على الحالِ الذي وصَفْناهُ، فَيْنْبَغِي أنْ يَباحَ لَهُمْ ما أباحَهُ الشْرعُ للمسلمينَ من التوسعَةِ والتخفيفِ والرخصِ التي هِي من أعظَمِ العونِ على بلوغِ الغايةِ من الجهادِ في سبيلِ الله، وإذا شُرعَتْ هذه الرخَصُ والتخفيفاتُ في جهادِ الطلَبِ؛ فجوازُها في جهادِ الدفعِ - خاصّةً وحالُ المسلمينَ في غزّةَ عُمومُ الضروراتِ كما بَينّاهُ - من بابِ أولَى.

قالَ أبو الوليد عفا الله عنه بمنّهِ وكَرَمِهِ: ومما استَنَدَ إليهِ القائلُ بتكْفِيرِ (حماسٍ) ما ذكرهُ السائلُ من تحكيمِ القانونِ الوضعْيّ، بل ذكرَ لي بعضُهُم أن (حماسًا) أقَرّتْ قانونًا يقضي بِعقوبِةِ الزانِي بالسجْنِ خمسةَ عشرَ عامًا، قالَ: وهمْ يزْعُمونَ التدرّجَ في إقامَةِ أحكامِ الشرْعِ وأنّهُم لا يقدِرُونَ على ذلكَ جملَةً واحدةً، ثم استَدرَكَ بقولِهِ: وكيفَ تستقيمُ لَهم دَعْوى العجْزِ عنْ ذلكَ ومقاليدُ الحكمِ بأيدِيهِمْ، وهُمْ يَزْعُمونَ القدْرَةَ على قِتالِ اليَهودِ، بلْ قَدْ قاتَلُوا (الموحّدينَ) منَ المسلمينَ الذينَ يُطالِبُونَ بإقامَةِ أحكامِ الشريعَةِ هناكَ.

قالَ أبو الوليد: الجوابُ عن هذا الكلامِ يحتاجُ إلى بَسْطٍ كثيرٍ، والتفصيلُ مَتَعَيِّنٌ في مِثْلِ هذا الموضِعِ لبيانِ الصوابِ من الخطأِ، فإنّهُ ما أوقَعَ الناسَ في الخروجِ عن الكتابِ والسنّةِ والابْتِداعِ في الدينِ كالإجمالِ والإطلاقِ؛ فَذلكَ أصلُ كُلِّ بَلِيّةِ، فأقولُ والله المستعان:

الواجِبُ أولًا اعْتِبارُ حالِ (حماسٍ) على سبيلِ الجمْلَةِ؛ كما يُعْتَبَرُ حالُ الواحِدِ من المسلمينَ وما لهُ من السابِقةِ في الدينِ والخيرِ؛ ومحبّةِ اللهِ ورسولِهِ صلى الله عليهِ وسلمَ؛ ونصرَةِ دينِهِ، كما نبهَ على ذلكَ بالمعنى شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمهُ اللهُ في غيرِ ما موضعٍ من كُتُبهِ وفتاويه، وهكذا الحالُ معَ حماسٍ هُنا؛ فإنّ لها سابِقةً في الحهادِ والدعوةِ إلى الله تعالى؛ والمحافظَةِ على دينِ الناسِ في تلكَ البلادِ؛ وتَربِية أتباعِها والمسلمينَ هناكَ على مَنْهَجِ الإسلامِ والتزامِ شريعتِهِ؛ يصيبونَ في ذلكَ تارَةً ويُخطِئونَ أُخرى، شأنُهم في ذلكَ شأنُ جيمعِ البشَرِ، وكلُّ بَنِي آدَمَ خطاءٌ؛ وخيرُ الخطائينَ التوابونَ.

ومثلُ هذا الوصْفِ الذي يَتحَلّونَ بهِ، مع بسطناهُ من العذرِ في أحوالِهِم؛ يوجبُ حمْلَ ما يَقعُ منهمْ على أحسنِ المحامِلِ والوجوهِ، وكيفَ يصِحُّ الظنُّ بِمَنْ يَبْذلُ نفسهُ ومالَهُ في الجهادِ في سبيلِ اللهِ، وفي الدعوة إلى دينِ الإسلامِ؛ وقد قضى على ذلكَ دَهرًا طويلًا وعمُرًا مديدًا؛ يشاركُ في كُلِّ ذلكَ كبارُهم وصغارُهم، ورجالهم ونساءُهُم، وخاصّتُهم وعامّتُهمْ، كيفُ يَصحُّ الظنُّ بمِثلِ هذا أنّهُ عَدُوٌّ للشريعَةِ؛ ساعٍ في هَدْمِها ومَحْوها، وإقرارِ قانونِ الشرْكِ وشريعَةِ الكُفْرِ؟!!، بلْ الظنُّ بمَن كانَ هذا حالُهُ وهذه سابِقَتُهُ أنهُ طوْعُ الشرْعِ فِي صَغِيرِ الأمْرِ وكبيرِهِ، وإن وقعتْ مِنْهُ المخالَفةُ لشيءٍ من الشرْعِ باجِتهادٍ منه، وهذا هُو الذي أمرَ بِهِ الشرعُ من إحسانِ الظنّ بالمسلمينَ.

وإحسانُ الظنّ بِهم في هذا المقامِ واجِبٌ؛ لا لما ذكرْناهُ من حُسْنِ السابِقَةِ فحَسبُ بل لقرائنَ أخرى؛ تشهدُ كُلُّها بالاعتبارِ لما قَرّرْناهُ، ولا يَجُوزُ في الفَتْوى أن يُؤْخَذَ الحُكْمُ الجُزْئيُّ مُنْفَصِلًا عَمّا يُلابِسُهُ منَ الأحوالِ التِي لا انْفِكاكَ لَها عَن التأثيرِ عليهِ، ولا مُنْفَصلًا عن مراعاةِ مقاصِدِ الشرْعِ ومن أعظَمِها رَفعُ الحرجِ عن المُكلّفِينَ، فإن الغفْلَةَ عن هذا أحَدُ طَرَفِي المَزِلّةِ في البابِ، وطرَفُها الثانِي: الغفلَةُ عن مُراعاةِ الخصوصِيّاتِ المثِيرَةِ للفوارِقِ بينَ أحكامِ النوازِلِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت