فعُلِمَ من هدْيهِ وسيرَتِهِ صلى اللهُ عليهِ وسلم وهديِ أصحابِهِ من بعدِهِ؛ أنّ التمكينَ ليسَ على مرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، وأنّ التدَرُّجَ في تحصيلِ أسبابِهِ سنةٌ دينيةٌ شرْعِيةٌ وكونِيةٌ قدَرِيّةٌ لا مناصَ من الأخْذِ بِها، وأنّهُ إنما يَجبُ من التكالِيفِ على المسلمينَ على قدْرِ التميكينِ، نَعمْ بعدَ أن أكملَ الله تعالى الدينَ واستقَرّتْ أحكامُ الشريعَةِ فإنّ أحكامَ الإسلامِ تُؤخذُ بِجُملَتِها، فحُرمةُ الخمرِ؛ والزنا؛ والربا؛ ونكاحِ ذواتِ المحارِم؛ وقتلِ النفس التي حرمَ الله إلا بالحق؛ والسحرِ؛ ونحو هذا؛ يجبُ على كلّ مُكلّفٍ أن يعتقدَ حرمَةَ ذلكَ ابتِداءً؛ ومن اعتقدَ حلّ شيءٍ منهُ وهو عالمٌ بتحريمهِ فهو كافِرٌ بدينِ الإسلام مرتد عنه، لإنكارِهِ معلوما من الدينِ بالضرورَةِ والدليلِ الشرعيّ والإجماعِ، أما الأوامرُ الشرعيةُ فإن التكليفَ بِها منوطٌ بالاستطاعَةِ؛ فَلا يُكلّفُ بشيءٍ مما يعجزُ عنه؛ ولا بِما يُسبّبُ لهُ مشقةً وحرجًا يفوتُ معهما مقصودُ الشرعِ من التكليفِ؛ وهذا في كلّ أمرٍ بِحَسبِهِ؛ سواءٌ من الأوامِر العامَةِ أو الخاصةِ؛ كالجهادِ في سبيلِ الله؛ والأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكَرِ؛ وإقامةِ الحدُودِ، ونحوِ هذا؛ كلُّ هذا على مراتبَ بحسبِ البواعثِ والأحوالِ، وليسَ هذا من باب التدرجِ في التشريعِ كما قد يُظنّ؛ بل هو داخلٌ في عمومِ قولهِ تعالى: {فَاتّقُوا اللهَ ما استطَعْتُم} ، وقولهِ عليه الصلاةُ والسلامُ: إذا أمرْتُكمْ بأمْرٍ فأْتُوا مِنهُ ما استطَعُتُمْ وإذا نَهَيتُكمْ عن شيءٍ فاجتَنِبُوه.
قالَ مُقيدُهُ عفا الله عنه: قدْ دلّ الحديثُ المذكورُ وغيرُهُ من أدلةِ الشرعِ على التفريقِ بينَ المأموراتِ والمنهِياتِ، وأن الأُولَى بحسبِ الاستطاعَةِ؛ وأما المنهِياتُ فالواجبُ الانكفافُ عنها جملَةً واحدَةً، لأنهُ لما كانَ قَصدُ الشرعِ تحريرَ المكلفِ من داعِيةِ هَواهُ - كما قال الشاطبي رحمه الله - كانَ في امتثالِ الأمرِ بحسبِ الاستطاعَةِ مصلَحَةُ تعويدِ النفسِ على فعلِ المأمورِ وتَهيُّئِها لما هو أعلى منه، وأما المنْهِياتُ فإنّها مُوافِقَةٌ لداعِيةِ الهَوى؛ فإذا فعلَت النفسُ مِنها شيئًا تطلّعَتْ إلى طلَبِ المزيدِ منْهُ، وفي هذا ضرَرٌ عليهِ وعلى الأمةِ كافّةً، فكانَ سبيلُ معالَجَةِ هذا حسمَ مادّتِهِ وقطعَها جملَةً واحدَةً، فإن ترتّبَ على التركِ دفعةً واحِدَةً مفسدَةٌ أعظَمُ كفواتِ النفسِ وتلَفِها مثلًا فمنَ العلماءَ من جوّزَ التدرجَ في النزوعِ عنهُ؛ كما سئلَ ابن حجرٍ المكيّ الشافعي فيما نقله ابنُ عابدينَ عنه في الحاشيةِ في كتاب الحظرِ والإباحةِ عمنْ ابتليَ بأكلِ نَحوِ الأفيونِ وصارَ إن لم يأكلْ منه هلك؟؛ فأجابَ: إنْ عُلِمَ ذَلِكَ قَطْعًا حَلَّ لَهُ، بَلْ وَجَبَ لاضْطِرَارِهِ إلَى إبْقَاءِ رُوحِهِ كَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّدْرِيجُ فِي تَنْقِيصِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَزُولَ تَوَلُّعُ الْمَعِدَةِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَشْعُرَ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ فَاسِقٌ، انتهى مُلَخَّصًا، قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَقَوَاعِدُنَا لاَ تُخَالِفُهُ، وفي فتاوي دار الإفتاءِ المِصْرِيةِ: وهذا - كما تقدمَ - إذا ثبت بقولِ الأطباءِ الثقات دينا ومِهنةً أن مُعتادَ تعاطي المُخدراتِ يهلِكُ بِتركِ تعاطيها فجْأةً وكليةً.
أقول: ضابطُ هذا أن التدّرّجَ الذي هو من قبيلِ السياسةِ الشرْعِيةِ لمنْعِ المنكراتِ وردعِ أهل المعاصي والفجورِ؛ وكفّ ضرَرِهم عن الناسِ جائزٌ، لأن الناسَ يحتاجونَ إلى الرفقِ والمداراةِ واللينِ، أما التدرجُ الذي هو من قبلِ التشريعِ والتحليلِ والتحريمِ فحرامٌ لا يجوزُ.
فدلّ مَجموعُ ما ذكَرناهُ على أنّ ما تَصْنَعُهُ (حماسٌ) في هذا النازِلَةِ المخصوصَةِ ليسَ خارِجًا عن قواعِدِ التيسيرِ ورفعِ الحرجِ في الشريعَةِ الإسلامِيّةِ، إذ الظاهِرُ من جُمْلَةِ الحالِ أنّها إنما تصنعُ ذلكَ توسُّلًا بِهِ إلى حصولِ الغايَةِ المرجُوَّةِ من التمكينِ للشرْعِ والدينِ، وأّنّها إِنّما تُراعِي بذلكَ ما هم فيهِ والمسلمُونَ من الاسْتضْعافِ؛ وَتَدْفَعُ بذلكَ غائلَةَ ما يُحيطُ بالمُسلِمينَ المُحاصَرِينَ هناكَ مِن الضيقِ والحَرجِ، فكيفَ يَحِلُّ للمُخالِفِ مع هذا كُلِّهِ رمْيُها بالكفْرِ والخروجِ عن دينِ