علَيهِ وسلّمَ؛ وهُم يَحْسبونَهُ يريدُ الصليبَ، وقد أثنى النبِيّ صلى الله عليه وسلم على النجاشيّ ونعاهُ يومَ وفاتِهِ لأصحابِهِ بِقَولِهِ: لقد ماتَ اليومَ أخٌ لكمْ صالحٌ من الحَبَشَةِ؛ ثمّ صلّى عليه.
وحالُ المسلمينَ اليَومَ لا يَخْفَى على أحدٍ من تسَلّطِ الخصومِ وتكالُبِ الأُمَمِ، وقدْ ذكرَ العلماءُ رحمَهُم اللهُ الخِلافَ في أمرِ السلطانِ وهلْ هو إكراهٌ أم لا، قالَ السيوطِيّ في الأشباهِ والنظائرِ: وَمِثْلُ السُّلْطانِ - فِي إِجْراءِ الخِلاَفِ - الزَّعِيمُ وَالمُتَغّلِّبُ؛ لأَنَّ المَدَارَ عَلَى خَوْفِ الْمَحْذُورِ مِنْ مُخَالَفَتِهِ.
وفِي المُحَرَّرِ الوَجِيزِ لابْنِ عَطِيَّةَ الأنْدَلُسِيِّ: فَأَمَّا الذِي تَكُونُ مِنْهُ التَّقِيَّةُ؛ فَكُلُّ قَادِرٍ غَالِبٍ مُكْرِهٍ يُخَافُ مِنْهُ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الكُفَّارُ إِذَا غَلَبُوا وُجُوهَ الرؤَسَاءِ وَالسَّلاَّبَةَ وَأَهْلَ الجَاهِ فِي الحَواضِرِ. انْتَهى.
وأيضًا فالعلماءُ يقولون: المُلاحظُ في الإكراهِ هُو المَعْنَى؛ فَمتَى أُلجِئَ للشيءِ بالخَوْفِ على غَيرِهِ عُدّ إكراها حتّى وإنْ لَم يقصِدْهُ المُكْرِهُ، (بكسرِ اللامِ) وهو مُقْتَضى الفِقْهِ؛ لأنّ المَقصودَ وقوعُ التصرّفِ على خلافِ الداعِيةِ والاخْتِيارِ.
قالَ مَقَيّدُهُ عفا اللهُ عنه: قدْ عُلمَ بالضرورَةِ أنّ أسبابَ القوّةِ في زَمانِنا تَخْتَلِفُ عما سَبقَ، وقدْ جعلَ اللهُ تعالَى للتمكِينَ أسبابًا لا بُدَّ مِنْها، ولم يُكلّفِ المسلمِينَ في حالِ الضعْفِ ما كلّفَهُم بهِ في حالِ القوّةِ، وبينَ الضعْفِ والقوةِ مراتِبُ من التمْكِينِ تُوجِبُ على المسلمِينَ من التكالِيفِ بِحَسْبِها، ولا يَلْزَمُ من حصولِ بَعضِ التمكينِ القدْرَةُ على جَميعِ التكالِيفِ، بل يَجبُ عليهم ما يقدِرُونَ عليهِ وما عَجزُوا عنهُ سقطَ للعجْزِ إلى حِينِ القُدْرَةِ، وقد كانَ النبي صلى اللهُ عليهِ وسلمَ مُمكنًا في المدِينَةِ في أوائلِ سنِيِّ الهِجْرَةِ، ومات صلّى الله عليهِ وسلم بعدَ أن أخذ الجزْيةَ من المجوسِ، وصحّ عنهُ أنهُ قال: سُنّوا بِهِم سنّةَ أهلِ الكتابِ، ومع ذلكَ فقد أقرّهُم رسولُ اللهِ صلى الله عليهِ وسلمَ وأُقِرّوا زمنَ أبي بكرٍ على ما كانَ بينَهُم من نكاحٍ ذواتِ المحارِمِ، قالَ ابنُ القيمِ رحمهُ اللهُ في أحكامِ أهل الذمة: فلما عز الإسلامُ وذل المجوسُ في عهدِ عمرَ رضي الله عنه؛ وكانوا أذلّ ما كانوا رأي أنْ يُلزِمَهُم بتركِ نكاحٍ ذواتِ المحارِمِ؛ وأن يفرّقَ بينهم وبينهن، وعلى هذا فإذا قويتْ شوكةٌ قومٍ من أهلِ الذمةِ وتعذر إلزامهم بأحكامِ الإسلامِ أقررناهمْ وما همْ عليهِ؛ فإذا ذلُّوا وضعفَ أمرهم ألزمناهم بذلك؛ فهذا له مساغٌ.
إلا أنه قد يقالُ: فقد صالحهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ وضرب عليهم الجزيةَ ولم يشترط عليهم التفريق بينهم وبين ذواتِ محارمِهم؛ وهو صلى الله عليه وسلم لا يقِرّ على ما لا يسوغ الإقرارُ عليه، وقد يجابُ عن ذلك: بأنه أقرهم في ابتداء الأمر والملكُ فيهمْ والشوكةُ لهم؛ وبلادُ فارس وما ولاها تحتَ قهرهمٍ ومُلكِهِم، فلما صارَتْ ممالكُهم للمسلمينَ وصارُوا أهلَ ذمةٍ منعهمْ عمرُ رضي الله من ذلكَ؛ وحالَ بينهم وبينهُ ... . انتهى.
وأيضًا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُكِلِّفْ أصحابَهُ بغَزْوِ فارِس والرومِ يومَها، لأنّ ذلكَ لم يكُنْ في وُسْعِهمْ، وقدْ أضاءَتْ لهُ كُنوزُ كسرَى وقيصَر! عامَ الخنْدَقِ، ولو كانَ يسَعُهُ صلى الله عليهِ وسلم ذلكَ لم يُؤَخّرْ غزْوهم وهم باقونَ على الشركِ والكُفْرِ؛ وقدْ علمَ أن الله تعالَى أرسله إلى الناسِ كافةً بشيرًا ونذيرًا، وأن الله مُظْهِرٌ دِينهُ على الدينِ كلّهِ، فلما بسطَ اللهُ تعالَى سلطانَ الإسلامِ على جزيرَةِ العرَبِ كلِّها؛ ودخَلَ الناسُ في دينِ اللهِ أفواجًا، حصلَ بذلكَ من التمكينِ والهَيبَةِ في نفوسِ الفُرْسِ والرومِ ما مَهّدَ لغَزْوِهم؛ فجهزَ بعثَ أسامَةَ رضي الله عنه، وأوصى بإنفاذِهِ بعدَ موتِهِ، فقامَ أصحابُهُ من بعدِهِ بِهذهِ المُهمّةِ خيرَ قيامٍ حتى دانتْ لهم مشارقُ الأرضِ ومغارِبُها!.