ومِنْهُ الإذنُ في الكذِبِ في الحرْبِ تصْرِيحًا وتَلْويحا، ًوالإذْنُ بالتّعْرِيضِ كما في خَبَرِ مُحمدّ بنِ مسلمةَ رضي الله عنه في قتلِ كعبِ بن الإشرَفِ، وقد قالَ للنبي صلى الله عليه وسلم: ائذنْ لي أن أقولَ، قال: قل. قالَ الحافِظُ رَحِمَهُ اللهُ: وَفِي مُرْسَل عِكْرِمَة: وَائْذَنْ لَنَا أَنْ نُصِيب مِنْك فَيَطْمَئِنّ إِلَيْنَا!؛ قَالَ قُولُوا مَا شِئْتُمْ.
وعند البخاري ومسلم قال له: إنّ هذا الرجُلَ قدْ عنّانا.
قال: وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ سِيَاق اِبْن سَعْد لِلْقِصَّةِ أَنَّهُمْ اِسْتَأْذَنُوا أَنْ يَشْكُوا مِنْهُ وَيَعِيبُوا رَأْيه!، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ لَهُ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ عَلَيْنَا مِنْ الْبَلاَءِ؛ حَارَبَتْنَا الْعَرَبُ؛ وَرَمَتْنَا عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ.
قالَ: وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ: أَنَّ كَعْبًا قَالَ لأَبِي نَائِلَة: أَخْبِرْنِي مَا فِي نَفْسِكَ؛ مَا الَّذِي تُرِيدُونَ فِي أَمْره؟ قَالَ: خِذْلانَهُ وَالتَّخَلِّيَ عَنْهُ؛ قَالَ: سَرَرْتنِي. انتهى.
فمثْلُ هذا لو كانَ في غَيرِ الجهادِ لكانَ مَمنوعًا منهُ، كما دلّ الكتابُ والسنةُ على أنّ النيْلَ من النبيّ صلى الله عليه وسلمَ أو الاسْتِهزاءَ بهِ أو تنقيصَهُ أو الطعنَ في دينِ الإسلامِ أو في أحدٍ من الأنبياءِ من نَواقِضِ الإسلامِ.
وهكذا يقالُ هنا: إن الإكراهَ المُعْتَبَرَ في هذا البابِ ليسَ هو الإكراهَ المخصوصَ الذي يُراعَى فيهِ الضرْبُ والحبْسُ المراعَى في الإكراهِ على الطلاقِ والعَتاقِ!، بلْ يُراعَى الحالُ الذي فيهِ المسلمونَ هناكَ في غَزّةَ من الشدَّةِ والحصارِ والتضْييقِ عليهِمْ؛ وما يَتعَرّضونَ لهُ منَ القتلِ والأسرِ والجراحِ والجوعِ والخوفِ، مع تخاذلِ المسلمينَ عن واجبِ مُناصَرَتِهِم وعونِهِم!.
والذي ذكرناهُ في مَعْنَى الإكراهِ هنا، ذكر نَحوهُ الماوَردِيُّ في الحاوِي؛ فيما لو أجبرَ الإمامُ أهل الذمةِ أو المعَاهَدينَ على الخروجِ إلى الغَزوِ معه، هل يرضخُ لهم أم لا، قال وَلَيْسَ يُرَاعَى فِي هَذَا الإِكْرَاهِ الضَّرْبُ وَالْحَبْسُ الْمُرَاعَى فِي الإِكْرَاهِ عَلَى الطَّلاقِ وَالْعَتَاقِ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى أَنْ لاَ يُفْسِحَ لَهُمْ فِي التَّأَخُّرِ، وَيُجْبِرَهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ؛ لأَنّهُمْ بِالذِّمَّةِ وَالْعَهْدِ فِي قَبْضَتِهِ، وَتَحْتَ حَجْرِهِ، فَلَمْ يَحْتَجْ مَعَ الْقَوْلِ إِلَى غَيْرِهِ. انتهى.
ومثلُ هذا النوعِ من الإكراهِ الذي ذكرهُ الماورْدِيُّ ذكروهُ في مواطنَ أخرى، كما لو اسْتَعانَ أهْلُ البَغْي بِمَنْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُم هُدْنَةٌ فأعانُوهُم انتقضَ أمانُهم الا إذا ادّعَوْ انّهم أُكْرِهُوا على ذلكَ، ذَكَرَهُ النووي في المجوعِ شرح المهذب.
وكذا لو استعانُوا بأهلِ الذمّةِ؛ قال في مِنَحِ الجليل: وَإِنْ أَكْرَهَهُمْ لَمْ يَكُنْ نَفْسُ خُرُوجِهِمْ نَقْضًا لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الإِكْرَاهِ بِهِ.
وكما لو وَقَعَتْ فتنةٌ وحُرُوبٌ بَيْنَ قَرْيتَينِ مَثلًا فَخافَ كُلٌّ مِنْهُما علَى أَنْفُسِهم وأموالِهِم؛ فَتَضامَنُوا فِيما بَينَهُم عَلَى أنّ ما تَأْخُذُه إحدَى القَرْيتين للأُخْرى يُؤديهِ أهْلُها؛ لما رَجَوْهُ فِي ذلكَ منَ التوْطِينِ؛ فَقالَ الغُبّرِينِيُّ كما فِي البَرْزَلِيِّ: إنّ التضامُنَ غَيرُ لازِمٍ لأنّهُمْ مُكْرَهُونَ بالخَوْفِ المذْكُورِ ... ، ذكره أبو الحسنِ التُّسُولي في البَهْجةِ شرحِ التحفة.
وكما لَوْ أَكْرَهَ الإِمَامُ أَهْلَ قَرْيَةٍ عَلَى الانْتِقَالِ مِنْهَا وَتَعْطِيلِهَا وَالْبِنَاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَسَكَنُوا فِيهِ وَهُمْ مُكْرَهُونَ وَقَصْدُهُمْ الْعَوْدُ إذَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ الْمَنْقُولِ إلَيْهَا أم لا؟؛ ذكرهُ في حاشِيةِ الجَمَلِ على شرحِ منْهَجِ الطلابِ.
وقد ذكَرْتُ من قَبلُ قصّةَ النجاشِيّ - لما أرادَ بَعْضُ قَومِهِ سلْبَ مُلْكِهِ وخَشِيَ علَى مَن عِندَهَ من المهاجِرِينَ المُسلِمينَ - أنهُ خَرَجَ إلَى لقائِهِم وَأخْفَى أوراقًا مِن المَصْحَفِ فِي جَيبِ قَمِيصِهِ؛ وعلّقَ علَى صَدْرِهِ صَلِيبًا؛ فَلما قالُوا لَهُ إنكَ قَدْ غَيَّرْتَ دِينَكَ وبَدَّلْتَ؛ وضَعَ يَدَهُ علَى صَدْرِهُ وحَلَفَ لَهُم أنّهُ يُؤْمِنُ بِما هُناكَ؛ وإنما يُرِيدُ القُرآنَ الذِي أُنْزِلَ علَى محمدِ صلّى اللهُ