وليسَ المرادُ بالتوسعَةِ والتخْفِيفِ اللذَيْنِ أشرْنا إلَيْهِما تَتَبُعَ الرخصِ التِي هي زَلاتُ العلماءُ، بل المرادُ التيسيرُ المَبنِيّ على على قواعدِ رفعِ الحرجِ في الشرعِ؛ كما في الدرر السنيةِ (5: 92) : وأما قولُ الليثِ بنِ سَعْدِ: أهلُ العلْمِ أهلُ توسِعَةٍ، فليسَ معناهُ أنّهُمْ يأخُذُونَ بِكُلّ قَوْلٍ، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ للتحْقِيق والتأْصِيل، بلِ المرادُ: أنّهم يراعونَ قاعدةَ اليُسْرِ، ورفْعِ الحَرَجِ، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، فيسقُطُ الوجُوبُ للعَجْزِ؛ وقَدْ يَسْقُطُ بالجَهْلِ والنِّسْيانِ، بلْ وبالمشَقّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَر، ويُبَاحُ الْمَحْظور لِمُقْتَضٍ راجِح، وليسَ المقصودُ أنّهم يأخذونُ بالرخص، ويتبعونَ مسائِلَ الخلافِ؛ قالَ بعضهم: منْ تتبعَ الرخص تَزَنْدَقُ، وقد أنكر الليثُ، رحِمَه الله، على الإمام مالكٍ مسائلَ معروفةً، ورسالَتُه إليه حكاها العلامةُ ابنُ القّيم في إعلام الموقّعِين. انتهى.
وأكثَرُ ما يُحتاجُ إلى مثْلِ هذه الأحكامِ والرخَصِ وقْتَ الاسْتِضْعافِ؛ ومن الفِقْهِ في السياسةِ الشرْعِيةِ التفريقُ بينَ حالَي القوّةِ والضعْفِ؛ والتنَبُّهِ إلى الخصوصياتِ المثيرَةِ للفوارِقِ بَينَ أحكامِهما؛ فإن في ذلكَ توسِعَةً عظيمَةً على المجاهِدينَ والدعاةِ العاملينَ لدينِ الإسلامِ، ولذا تجد في كلامِ العلماءِ مراعاةَ مثلِ هذا، كما قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله تعالى في الصارِم المسْلُولِ: فمنْ كانَ مِنَ المؤْمِنينَ بأرْضٍ هُوَ فِيها مُسْتَضْعَفٌ؛ أَوْ فِي وَقْتٍ هُو فِيهِ مستضعفٌ؛ فَليعمَلْ بآيَةِ الصّبْرِ والصّفْحِ عَمّنْ يُؤْذِي اللهَ وَرَسُولَهُ مِنَ الذينَ أُوتُوا الكتاب والمشركينَ، وأَمّا أَهْلُ القُوّةِ فإنّما يَعْمَلُون بآيةِ قتالِ أَئِمّةِ الكُفْرِ الذينَ يَطْعَنونَ فِي الدّين؛ وبآيَةِ قتالِ الذينَ أُوتوا الكتابَ حتّى يُعْطُوا الجزيةَ عنْ يدٍ وهُم صاغِرُون. انتهى.
وأما الجهادُ في سَبيلِ اللهِ فتوسيعُ الشارِعِ فيهِ أعظَمُ، فإنهُ لما عَظُمتِ المصالِحُ التِي تترَتّبُ عليهِ تَشَوّفُ الشارِعُ إلى تحصِيلِها فأباحَ فيهِ مالَمْ يُبَحْ في غَيرِهِ، كالكذب؛ والخدعَةِ في الحرْبِ؛ ولبس الحرير؛ وترك الهدي الظاهر؛ وسفر الرجل وحده؛ وغيرِ هذا، بل مَنعَ من إقامَةِ الحَدودِ فيهِ معَ أن ذلكَ محرّمٌ في غيرِهِ، حتّى عدّ الشرعُ تعطيلَ إقامةِ الحدُودِ في أمصارِ المسلمينَ من أعظَمِ الآثامِ؛ ومِنْ أسبابِ استحقاقِ العقوبَةِ الربانِيةِ.
ومِن ذلكَ ما ذكَرَهُ ابنُ تَيْمِيةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي الاقْتِضاءِ فِي مُخالَفَةِ المُسْلِمِ للهَدْي الظاهِرِ للكفارِ؛ وَأنَّ المخَالَفَةَ لَهُمْ لاَ تَكُونُ إلاَّ مَعَ ظُهُورِ الدِّينِ وَعُلُوِّهِ كالْجِهَادِ؛ وإلْزَامِهِمْ بالْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ؛ وَأَنَّ المُسْلِمِينَ لَما كَانُوا فِي أَوَّلِ الأَمْرِ ضُعَفَاءَ؛ لَمْ تُشْرَعْ الْمُخَالَفَةُ لَهُمْ؛ فَلَمَّا كَمُلَ الدِّينُ وَظَهَرَ وَعَلاَ؛ شُرُعِتْ مُخالََفَتُهُمْ. انتهى، وهَذا الذِي قالَهُ رَحِمَهُ اللهُ لَيْسَ مَنْسُوخًا؛ بَلْ حِيْثُ وُجِدَتِ العِلَّةُ وُجِدَ الحُكْمُ، نَعَمْ ذلكَ مِن الضرُوراتِ التِي تُقَدَّرُ بِقَدْرِها.
قال رحمه الله: وَمِثْلُ ذلكَ اليَوْمَ: لَوْ أَنَّ الْمُسْلِمَ بِدَارِ حَرْبٍ؛ أَوْ دَارِ كُفْرٍ غَيْرِ حَرْبٍ؛ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بالمُخَالَفَةِ لَهُمْ فِي الهَدْيِ الظَّاهِرِ؛ لِمَا عَلَيْهِ فِي ذلكَ مِن الضرَرِ، بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ للرَّجُلِ؛ أَوْ يجبُ علَيهِ؛ أنْ يُشارِكَهَمْ أَحْيانًا فِي هَدْيِهِمُ الظاهرِ؛ إِذَا كانَ فِي ذَلكَ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ مِنْ دَعْوَتِهِمْ إِلَى الدِّينِ؛ والاطِّلاَعِ عَلَى باطِنِ أَمْرِهِمْ لإخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ بِذَلكَ؛ أَوْ دَفْعِ ضَرَرِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ، وَنَحْوِ ذلكَ مِنَ المقاصِدِ الصَّالِحَةِ. انْتَهى.
ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشيْخِ أَيْضًا فِي (الاسْتِغاثَةِ فِي الردِّ عَلَى البَكْرِيِّ) : وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الرَّافِضَةِ وَ الخَوارِجِ؛ فَكَتَمَ حُبَّهُ للصَّحَابَةِ رِضْوانُ اللهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ زِنْدِيقًا، وَلَوْ عَرَّضَ لَمْ يَأْثَمْ بِذلكَ. انتهى.
وقد ذكرَ الواقِدِيُّ - وهو ثقَةٌ في المغازِي على الصحيح - أنَّ الصحابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ كانُوا فِي الفُتوحِ يَلْبَسُونَ - عَلَى وَجْهِ الحِيلَةِ - ثِيابَ الرومِ وصُلْبانَهُمْ ورُبَّما حَمَلُوا الصَّلِيبَ الكَبِيرَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ - يُوهِمُونَ القَومَ أَنَّهُمْ من الرومِ!؛ ثُمَّ يُباغِتُونِهَمْ فِي دِيارِهِم، ذكَرَ هَذا في أخبارٍ مُخْتَلِفَةٍ في تِسْعَةِ أو عشرَةِ مواضعَ من الكتابِ!.