ومِنهُم من يَعُدُّ السحْرَ من الإكراهِ؛ وفي الفروعِ لابنِ مفلحٍ عن ابن رُزين: وإن سَحَرهُ ليُطَلّقَ فإكراهٌ، وحكاهُ ابن عقيلٍ عن الشيخ تقي الدينِ بن تيميةَ كما في المبدع. انتهى ..
واختلفوا أيضا في حدّ الضربِ الذي يُعتَبرُ إكراها مُلجئًا؛ فحُدّ بما لا يَقِلُّ عن أربعينَ جلدَةً، وقيل: يختلِفُ باختلافِ أحوالِ الناسِ قُوةً وضعفًا؛ فلا سبيلَ سوى الرجوعِ إلى رأيِ المُبْتَلَى ..
وأكثرُهم لم يجعل الجلدةَ والجلدَتينِ إكراها ملجئًا؛ لكن إن وقعَ الضرْبِ علَى مَوضعٍ يؤدّي إلى التلفِ كالضربِ على المذاكيرِ أو العينِ فهوَ إكراهٌ مُلجئٌ ..
وذكرَ ابن قدامَة في المغْنِي أن الضرَرَ اليسيرَ في حقّ من لا يُبالِي بهِ ليسَ إكراهًا، فإن كانَ في بعضِ ذَوي المروءاتِ فَهُو كالضربِ الكثيرِ في حقّ غيرِهِ، كما عَدّ الوعيدَ بتعْذِيبِ ولَدِهِ إكراهًا لأنّهُ أشدُّ عليهِ من أخذِ مالهِ.
وابنُ حزمٍ في المحلّى يجعلُ السوطَ والسوطينِ إكراها!، وذكر أثرَ اينِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه أنهُ قال: مَا مِنْ ذِي سُلْطَانٍ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّفَنِي كَلاَمًا يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطًا أَوْ سَوْطَيْنِ إِلاَّ كُنْت مُتَكَلِّمًا بِهِ، قالَ: وَلاَ يُعْرَفُ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ رضيَ اللهُ عَنْهُمْ مُخَالِفٌ ..
ومنهمْ من يجعلُ حد الحبس الذي هوَ من الإكراهِ ما يجيءُ الاغتمامُ البيّنُ به، وفي الضربِ ما يحدثُ بهِ الألمُ الشديدُ، وليسَ فيهِ حدٌّ يُزادُ عليهِ ولا يُنقصُ، لأن الناسَ يختلفونَ، فبعضهم يتضررُ بالضربِ؛ وبعضُهُم بضربَةِ سوطٍ أو فَرْكَةِ أُذُنٍ، لما فيها من الذّل والهوانِ؛ كأشرافِ الناسِ وَوُجهائِهِمْ وأصحابِ المنازلِ الرفيعَةِ مِنهم، خاصّةً إن كانَ ذلكَ على ملأٍ من الناسِ، فَعُدّ في حقّ أمثالِ هؤلاءِ الناسِ إكراها، وهذا الذي ذكروهُ وجِيهٌ جدّا، لأنّ ما يحصُلُ لأشرافِ الناسِ وأكابِرهم من الغمّ بمثلِ هذا شديد، بِخلافِ ما يحصلُ للأَراذلِ منهمْ فلا يتألّمونَ إلا بالضرْبِ المُبرّحِ ونحوه.
وليسَ المقصودُ في هذا الموضعِ بحثَ حدّ الإكراهِ، وإن كانَ الراجحُ أنهّ تقدِيرَهُ بالرأْيِ مُمتنِعٌ، وأنه يَخْتَلِفُ باختلافِ أحوالِ الناسِ، وإنما المقصودُ تنْبِيهُ المُجْتَرِئِ بالتكفيرِ على ما يلزمُ من قولِهِ، فإنّ السلطانَ إذا كانَ يذهبُ إلى شيءٍ من هذه الأقوالِ اجتهادًا أو تقليدًا لِمن يثِقُ بهِ من العلماءِ فإنهُ يلزمُ مِن هذا أن تكونَ نَحوُ التصريحاتِ الصادِرَةِ عن (حماسٍ) والتي يُكَفّرُها بِها المُخالِفُ جائزَةً لأجلِ إهانَةٍ بِنَحوِ فَرْكَةٍ أُذُنٍ مَثلًا!، ثُمّ تكونَ كُفرًا وردّةً عنْ دينِ الإسلام إذا أرادَ بِها دفعَ غائلَةِ العدُّوّ عن أمةٍ من المسلمينَ لا يَزالُ العَدُوُّ يوسِعُها قتلًا وتشريدًا وأسرًا ونَهْبًا!، وهذا خارجٌ عن أصولِ الشرْعِ التِي جاءَتْ بِرَفْعِ الحرَجِ وَرِعَايَةِ المصالحِ علَى أحْسنِ الوجوهِ.
علَى أنّ الأمرَ أوسعُ من هذا بِحمدِ الله، فإنّ السياسَةَ الشرْعِيّةَ والجِهادَ في سبيلِ اللهِ لما شُرِعا لرِعايَةِ المصالحِ الكُبْرَى لأمّةِ المسلمينَ كانَ فِقْهُمُا مصلَحِيّا في أكثَرِهِ، ولذا بُنِيَتْ كثِيرٌ من أحْكامِهِما علَى التوسِعَةِ والتخْفِيفِ المُناسَبَيْنِ لِرفْعِ الحرَجِ، كما حَرّمَ الشرعُ الاستعانَةَ بالكفارِ على قتالِ الكفارِ لما بَينهم وبينَ المسلمينَ من العداوةِ الدينِيّةِ التي لا يُؤمَنُ معها غدْرُهُم، ثم قالَ من قالَ بجوازِها من العلماءِ للضرُورَةِ لعمومِ قولِهِ تعالَى: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} ، وكما مَنعَ الشرْعُ من إعانَةِ الكفارِ الحرْبِيينَ بالمالِ حتّى عدّهُ العلماءُ كُفْرًا فِي بَعْضِ الصورِ، ثمّ جَوزُوهُ - كما في الكافي لابن عبد البر وفي غيره - فيما لو اضطُرَّ الإمامُ إلى مُهادَنَتِهِم للعَجْزِ عن قِتالِهِم؛ وفيما لو خافَهُم على مصالِحِ المسلمينَ ولم يَنْدَفِعْ شرُّهُم إلا بذلكَ، كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصالحَ على ثلثِ ثمارِ المدينة حياطَةً للمسلمينَ، وكما لَوْ اضطُرّ الإمامُ في وَقْتٍ من الأوقاتِ أن يتألّفَ كافرًا يُرجَى نَفعهُ وتُخشى شوكتُهُ جازَ أن يُعْطِيَهُ من أموالِ الصدَقاتِ.