فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 269

-والوقوعِ فيما رماهُ بهِ إنْ كانَ سالمًا منه، لقولِهِ صلى الله عليه وسلم في حديث عبد اللهِ بن عمرَ رضي اللهُ عنهُ: إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَد بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، وَفِي رِوَايةٍ: إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيهِ.

ولذا قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ علي المازري كما في العقودِ الدرية: من كّفّرَ أحدًا من أهلِ القبلَةِ فَإن كانَ مستبيحًا ذلكَ فقدْ كفَرَ!، وإلا فَهُو فاسِقٌ يجِبُ على الحاكِمِ إذا رُفِعَ أمرُهُ إليهِ أن يُؤَدّبَهُ ويُعَزّرَهُ بما يكونَ رادعًا لأمثالِهِ، فإن تركَ مع القدْرَةِ عليهِ فهوَ آثِمٌ؛ والله تعالى أعلم.

ومرَدُّ العُذْرِ في هذه الأقوالِ والتصريحاتِ التِي رُمِيَتْ (حَماسٌ) بالكُفْرِ لأجْلِها، عُمومُ الضروراِتِ الواقِعَةِ على المسلمينَ هُناكَ، فَصِغَرُ مساحَةِ البلادِ؛ وكثرَةُ سكانِها، وإطباقُ المِلَلِ الكافِرَةِ على حَرْبِهِمْ!؛ وحِصارُهُم والتضْيِيقُ عليهِم، ومَنعُ عونِهِم وإغاثَتِهِمْ!، كُلّ ذلكَ مَظِنَّةُ الإلْجاءِ إلى نَحْوِ هذهِ الأقوالِ والتصرّفاتِ؛ إذ الظاهِرُ مِنْها رَفعُ الضيقِ والحرجِ ورِعايَةُ عُمومِ الضرواراتِ، بِقَرينَةِ الحالِ الذي ذكَرْناهُ، وبِقَرينَةِ المشهورِ من حالِ (حماسٍ) في الجهادِ والدعوةِ إلَى دينِ الإسلامِ.

وقد ذكرْتُ منْ قَبْلُ أن التعْبِيرَ في هذا الموضعِ بالضروراتِ أولَى من التعْبيرِ بالإكراهِ، لأن البابَ يتعَلّقُ بالمصالِحِ العامّةِ للمسلمينَ، وَلأن عُمومَ الضروراتِ علَى هذا الوَجْهِ أبْلغُ في الحَرَجِ والمشقّةِ مِن الإكْراهِ المَخْصُوصِ، فَهُوَ إكراهٌ وزِيادَةٌ، وإذا كانَ عُمومُ الحاجاتِ يُنَزّلُ مَنزِلَةَ الضرُوراتِ، فَكيْفَ بِعُمومِ الضرُوراتِ إذن؟!.

وقد اعتَرضَ بَعْضُهُم مِمّنْ يُكَفّرُها بِتَقسيمِ الإكراهِ المعروفِ إلى مُلجئٍ وغيرِ مُلجِئٍ؛ إلى آخرِ ما هُنالكَ، فَيُقالُ فِي جَوابِهِ على سبيلِ المُجاراةِ: الأكثَرُونَ عَلى أنّ الإِكْرَاهَ الْمُلْجِئَ هُو الَّذِي يَكُونُ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ الْمُؤَدِّي إلَى إتْلاَفِ النَّفْسِ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ، والقطْعُ يَتناوَلُ بَعْضَ العُضْوِ؛ كالمَحَلّ الذي يُوجَدُ فيهِ الأظفارُ مِن الأصبعِ؛ فالتهْدِيدُ بَقَطْعِ ذلكَ يكونُ إكراهًا مُلْجئًا، سَلّمْنا!؛ ولازِمُ صَنِيعِ المُعْتَرِضِ أنْ يَبِيحَ للسلطانِ نَحْوَ هذه التصريحاتِ إذا تَعَرّضَ للضرْبِ المُؤدّي إلى التلَفِ؛ إو إلى قَطْع مَجلّ الأظفارِ مَثَلًا إبقاءً علَى نَفسِهِ؛ ثُمّ لا يَبِيحُ لَهُ شيئًا من ذلكَ - بلْ يَعُدُّهُ كافِرًا - إذا تَعَرّضَتْ للتَلَفِ أمّةٌ بأسْرِها ثُمّ صَرّحَ بِشيءٍ مِنهُ إبقاءً علَيها!!.

وقدْ قالَ ابنُ حزمٍ رحمهُ اللهُ في حد الإكراه: وَالإِكْرَاهُ: هُوَ كُلُّ مَا سُمِّيَ فِي اللُّغَةِ إكْرَاهًا، وَعُرِفَ بِالْحِسِّ أَنَّهُ إكْرَاهٌ؛ كَالْوَعِيدِ بِالْقَتْلِ مِمَّنْ لاَ يُؤْمَنُ مِنْهُ إنْفَاذُ مَا تَوَعَّدَ بِهِ، وَالْوَعِيدُ بِالضَّرْبِ كَذَلِكَ أَوْ الْوَعِيدُ بِالسَّجْنِ كَذَلِكَ، أَوْ الْوَعِيدُ بِإِفْسَادِ الْمَالِ كَذَلِكَ، أَوْ الْوَعِيدُ فِي مُسَلِّمٍ غَيْرَهُ بِقَتْلٍ، أَوْ ضَرْبٍ، أَوْ سَجْنٍ، أَوْ إفْسَادِ مَالٍ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يُسْلِمُهُ. انتهى.

فجعلَ الوعيدَ اللاحقَ بغَيرِهِ من المسلمينَ إكراهًا، فما كانَ في أمةٍ من المسلمينَ أولَى بهذا الحكمِ إذَنْ.

ثمّ إن هذا المذكورَ في حدّ الإكراهِ ليسَ مُتّفقًا عليهِ، فمنَ المشايخِ من يجعلُ التهديدَ بالحبسِ والقيدِ إذا كانَ الرجلُ ذا مُروءَةٍ ويشقُّ عليهِ ذلكَ وخافَ على نفسهِ الموتَ بسببهِ إكراها مُعتَبرًا شرْعا ..

وكذا لو حبسهُ في مكانٍ مظْلِمٍ وخافَ ذهابَ البصرِ ..

وقال بعض المشايخِ: أَمَّا الْحَبْسُ الَّذِي أَحْدَثُوهُ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّهُ مِنْ الإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ ..

ومنهم من يعدّ التهديدَ بإتلافِ جميعِ المالِ إكراهًا مُلجئًا؛ ولم يشترطْ بعضهم جميعَهُ؛ بلْ عدّ أخذ بعض المالِ إكراها معتَبرًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت