ذكرْنا من أهلِ الأهواءِ مع ما ثبتَ عن أبي حنيفَةَ والشافِعِيّ من عدمِ تكفيرِ أهلِ القبلَةِ من المُبْتَدِعَةِ كُلّهِم مَحمَلُهُ على أن ذلكَ المُعتَقَدَ نفسَهُ كفرٌ؛ فالقائلُ بهِ قائلٌ بِما هُو كفْرٌ؛ وإن لم يكفُرْ بناءً على كَونِ قولِهِ ذلكَ عن استِفراغِ وُسعِهِ في طلَبِ الحقّ ... . انتهى.
ومِثْلُ هذا يَقعُ بينَ الأئمّةِ رحمَهُم اللهُ تعالى كَثيرًا، فيحكمُ بعضُهُم بالكفرِ على مُعَينٍ ويخالِفهُ آخرون، فلا يُكَفِّرُ بَعْضُهُم بَعضًا؛ ولا يُنْكِرُ علَى المُخالِفِ إنكارَهُ على الخارِجِ عن أصولِ الاعتقادِ، بلْ إنكارَ المُجْتَهدِ على المُجْتَهِدِ؛ إذْ تَقَرّرَ في أصولِ الاجِتهادِ أنّ المُجْتَهِدَ لا يَلْزَمُهُ قُبُولُ قَولِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ، وما كان مع الاختلافِ في تحقيقِ المناطِ فَهُو أولَى بِما ذكَرْناهُ إذَنْ، وبِهذا تعلَمُ أن الحكمَ الاجتِهادِيّ بتكْفيرِ مُعَيّنٍ طائفَةً كانَ أو فرْدًا لا يَصحُّ أن يكونَ أصلًا من أصولِ الاعتِقادِ أو التوحيدِ يُحاكَمُ إليهِ المخالِفُ، فَتسْمِيَةُ المُوافِقِ على هذا (مُوَحّدا) ؛ والخارجِ عنْهُ خارِجًا عن التوحيدِ نَفْثَةٌ خارجِيّةٌ وبِدْعَةٌ ضلالَةٌ نعوذُ باللهِ مِنها. ً
وأمّا الكلامُ عَما يصْدُرُ عن (حماسٍ) من أقْوالٍ وَتَصْرِيحاتٍ حولَ إقامَةِ الشرعِ؛ وغَيرِ ذلكَ مما يأخُذُهُ الناسُ عليْها، فَلا بُدّ من التنبِيهِ أوّلًا على أنّ التِماسَ الأَعْذارِ لِمنعِ القولِ بالتكْفِيرِ لا يَقْتَضي بالضرُورَةِ تَجْوِيزَ ما وَقَعَ مِنها، بل قَدْ يَكونُ جائزًا في نفْسِ الأمرِ وقدْ يكونُ مَمنوعًا، وقدْ يكونُ من الخلافِ السائغِ بَينَ أهلِ العلْمِ والفَتْوى، وقَدْ تُبِيحُهُ الضروراتُ الرافِعَةُ للحظْرِ، وإنْ كانَ التيسيرُ المَشرُوعُ في الفَتوى خاصّةً فِيما يَتَعَلّقُ بالمصالِحِ العامّةِ للمسلمينَ من عَلاماتِ الفِقْهِ فِي الدينِ؛ ومِن أوجَبِ الواجِباتِ على عُلماءِ المُسملمينَ.
أما القَولُ بالتكْفِيرِ الذي يَعْنِي الخُروجَ من المِلّةِ الإسلامِيّةِ؛ وما يَقْتَضِيهِ من إباحَةِ الدّماءِ المَعْصومَةِ؛ وما يَتَرَتبُ على ذلكَ من الآثارِ شرعا، كمَنعِ التوارُثِ بَينَ المرْتَدّ وأقارِبِهِ من المسلمينَ، وبَينُونَةِ زوْجِهِ منهِ؛ وأنهُ لا يُصلّى علَيهِ ولا يُدْفَنُ في مَقابِرِ المسلمينَ؛ ونَحْوِ هذا؛ فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ؛ فإنّهُ وإن حَسِبَهُ الجَهَلَةُ هَيّنًا فَهُوَ عندَ اللهِ عَظِيمٌ، والتكفير من حقوقِ اللهِ تعالَى فَلا يُقدَمُ عليهِ إلا بِدليلٍ بَيّنٍ، ومثلُ هذا لا حرجَ فيهِ على مَن دَقّقَ في العباراتِ ودَلالاتِ الألفاظِ؛ وأوقَفَ مَن رامَ التكْفِيرَ على كُلّ كَلِمَةٍ وجُملَةٍ، بل الحَرَجُ كُلّ الحَرَجِ علَى مَنْ تَهاوَنَ فِيهِ؛ فَخَرَجَ بذلكَ عن قواعِدِ العلماءِ وتصَرُّفاتِهِم.
واعْلَمْ أن التِماسَ العُذْرِ في هذا المقامِ واجِبٌ لا يَسَعُ العالِمَ تركُهُ، كما حكى التمرتاشيّ من الحنفيةِ اتفاقَ المشايخِ على أنه لا يفتَى بتكفيرِ مُسلمٍ أمكنَ حملُ كلامِهِ على محملٍ حسنٍ أو كانَ في كفرِهِ اختلافٌ ولو روايَةً ضعيفَةً ... انتهى. وليس من شرْطِ إعمال ِالعُذْرِ كونُ المحكومِ عليهِ عالمًا بكونِهِ عُذْرًا ومانِعًا من التكفِيرِ كما يظُنّهُ بعضُهُم، لأنّ التكفيرَ حكمٌ شرْعِيٌّ مردُّهُ إلى الكتابِ والسنةِ، وشروطُهُ وموانِعُهُ من قَبيلِ خطابِ الوضْعِ؛ وخطابُ الوضعِ لا يُشتَرطُ فيهِ عِلمُ المُكَلّفِ وشعُورُهُ كما قالَ السيوطِيُّ في الحاوِي، لأن الشارعَ أناطَ الحكمَ بالشرطِ والمانعِ في هذا المقامِ؛ فحيثُ وُجِدَ وجبَ إعمالُهُ، والأصلُ في المسلمِ بقاؤُهُ على الإسلامِ حَتى يزُولَ ذلك عَنهُ بِمُقْتضى الدليل الشرْعِي، والتهاونُ في هذا يوقعُ في محذورَينِ عظيمَين:
-افتراءِ الكذبِ على اللهِ تعالى في الحكم، وعلى المحكومِ عليهِ في الوصفِ الذي رماهُ بهِ.