فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 269

وأما الخطأ الثانِي: فاسْتِعْمالُ القائلِ لَفْظَ (الموحّدِينَ) فِي هذهِ العِبارَةِ، فإنّ هذا اللفظَ وإنْ جازَ استعمالُهُ في الأصلِ، إلا أنّ استِعمالَهُ على هذا الوَجْهِ الذي شاعَ بَينَ بَعْضِ الأحزاب والجماعاتِ التِي انتشرتْ وكثُرَتْ فِي بلادِ المُسملينَ، ثمّ تسْمِيةُ مَن يَنْتَسِبُ إلَيها بذلكَ، فِيهِ محاذيرُ لا تَجوزُ الغفلَةُ عنهَا:

مِنْها: أنّهُ مُصادَرَةٌ لما هُو حَقٌّ - باعْتِبارِ الأصلِ - لجماعَةِ أمةِ المسلمِينَ لا لطائِفَةٍ مِنها فَحَسبُ.

ومِنْها: أنّ التوحِيدَ هُو الأصلُ فِي كلّ مسلمٍ, ونَحْنُ ما أُمِرنا أن نشقّ عن قلوبِ الناسِ، ولا أن نَمتحِنَ عقائدهُمْ، بلْ ذلكَ مِن البِدْعَةِ فِي الدين، وأيضًا فليسَ التسمّي بذلكَ دليلًا علَى الصوابِ فِي نفْسِ الأمرِ، كما ذكرَ ابنُ عِيسى في شرحِ نونيةِ ابن القيمِ رحمَهُ اللهُ أن أصولَ المعتَزِلَةٍ خمسةٌ يسمونَها التوحيدَ، والعدْلَ، والمنْزِلَةَ بَيْنَ المنزِلَتَينِ، وإنفاذَ الوعيدِ، والأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عنِ المنكَرِ، ثم قال: لكنْ معنى التوحيدِ عندَهُمْ يتضمنُ نفيَ الصفاتِ، ولِهذا سَمّي ابنُ التومَرْتِ أَصحابَهُ (الموحدينَ) !، وَهذا إنّمَا هوَ إلحادٌ في أسماءِ اللهِ وآياتِهِ، وفي باكستانَ طائِفَةٌ يُسَمّونَ أنْفُسَهُم جماعَةَ المسلمينَ؛ ويكفّرونَ كُلّ من لمْ يَنْتَسِبْ إلى جماعَتِهِم المذكورَةِ، وقدْ رأيْتُ لَهم مُراسلاتٍ معَ بعضِ كبارِ شيُوخِنا من علماءِ أهلِ الحديثِ يبدأونَهُ في كلّ رسالةٍ بعبارةِ: السلامُ على من اتّبَعَ الهُدَى!، وهمْ مع ذلكَ يَنعتونَ أنفُسَهُم بالموحّدينَ!، فَكانَ ماذا؟!.

ومنها: أنهُ معبَرُ الغلُوّ للجهلَةِ إلى تكفيرِ المخالِفينَ من المسلمينَ، فإنّ اصطِلاحَ حزبٍ من هذه الأحزابِ على التسَمّي بِهِ يُشْعِرُ بأنّ غَيرَهُم خارِجٌ عنِ الوصْفِ الذي يَدُلُّ عَليهِ، وليسَ يُقابِلُ التوحيدَ إلا الشّرْك، وهذا وإنْ لَم يَكُنْ مُرادًا من الاستِعْمالِ - كما قَدْ يُقالُ - إِلاّ أنّ استِعمالَهُ على هذا الوَجْهِ ذريعَةٌ إلى الوُقوعِ في المحْذورِ كما رأيْناهُ وخبرناه، وليسَ المنْكَرُ اسْتِعْمالَ اللفظِ في الدلالَةِ على مَن أتَى بِمُقْتَضَاهُ من المسلمينَ، لكِنّ الذي نُنْكِرُهُ أنْ تَتَسَمّى بِهِ طائِفَةٌ من هذهِ الفِرَقِ والأحْزابِ التِي مَلأَتْ بِلادَ المسلمينَ! حَتّى يَغْدُوَ اسْمًا لِكُلّ من انْتَسَبَ إلَيها على ما بَيّنّاهُ!، يُوضّحُهُ الوجهُ الذي يليهِ:

ومِنْها: أن الجاهِلَ قَدْ يَنسبُ إلى أصولِ التوحيدِ ما ليسَ مِنْهُ، كما يَظُنُّ كَثيرٌ من عامّةِ المُنْتَسِبينَ إلَى هذهِ الأحْزابِ أنّ الحُكْمَ بِتَكْفِيرِ مُعَيّنٍ مِن المسلمينَ؛ أو طائِفَةٍ من طوائفِ المسلمينَ من التوحِيدِ!، ولذا يَنْعَتُونَ المُوافِقَ على التكْفِيرِ ب (إخواننا الموحّدِينَ) !؛ ويُقَدِّمُونَ قَبلَ حِكايَةِ التكْفِيرِ أو عقِيبَهُ قولَهُم: هذا اعِتقادُنا؛ أو هذا ما نعتَقِدُهُ؛ أو ندينُ اللهَ بِهِ، ونَحْوَ هذا!؛ للدّلالةِ على أنّ المتكَلّمَ يَعُدُّهُ مِن قَبيلِ الاعْتِقادِ الذِي لا مُراجَعَةَ فِيهِ! كالأصولِ المُقَرّرَةِ من عقِيدَةِ أهل ِالسنّةِ والجماعَةِ، ولذا يَعُدُّونَ المُخالِفَ لَهُمْ في التكْفِيرِ مُخالِفًا لأصولِ التوحِيدِ والإسلامِ!، وهذا لا حَظّ لَهُ من العِلمِ أَلْبَتّةَ!، فإنّ الحُكْمَ بِتَكْفِيرِ مُعَيّنٍ مِن المُسْلمينَ واحدًا كانَ أو جَماعَةً إنّما هُو حُكْمٌ اجْتِهادِيٌّ قَدْ يُصيبُ فِيهِ العالمُ المؤَهّلُ وقَدْ يُخْطِئُ، ثُمّ قَدْ يَقَعُ الاتِفاقُ بَينَ أهلِ العلمِ على كونِ ذلكَ القولِ أو الفعلِ من المُكَفّراتِ، وقدْ يَخْتَلِفونَ في تَحْقِيقِ المناطِ المُكَفّرِ من ذلكَ اجتِهادًا مِنهُمْ، ثُمّ إنّهُمْ معَ الاتّفاقِ على كونِ الفِعْلِ أو القولِ مُكَفّرًا لدلالَةِ الكتابِ أو السنةِ عليهِ، يَبقَى الحُكْمُ بِذلكَ على المعَيّنِ موضِعَ اجتِهادٍ يَحْتَملُ الصوابَ أو الخطأَ؛ كما هُو الشأْنُ فِي جميعِ مسائلِ الاجتِهاد، ومَحَلُّ الاجتهادِ هُنا في التّحَقُّقِ من اسْتِيفاءِ الشروطِ وانتِفاءِ الموانِعِ، وإن شئتَ فقلْ: مَحلُّ النّظِرِ والاجْتهادِ فِي مثلِ هذا هوَ التحققُ من وجودِ الشرطِ والمانعِ في آحاد الصُّوَرِ والوقَائع، وهو ما يُعرفُ بِتَحْقِيقِ المناطِ، وهذا تَتَفاوَتُ فيهِ أنظارُ المُجْتَهِدينَ بِحَسْبِ تَفاوُتِ المراتِبِ في العِلمِ، وبِحَسْبِ المعْرِفَةِ بِحَقيقَةِ الحالِ؛ فيَقَعُ الخلافُ في الحكمِ على المعيّنِ المذكورِ بالتكفِيرِ لأجْلِ ذلكَ، كما في فتح القديرِ وعنهُ في البحرِ الرائق من كتب الحنفية: واعلمْ أن الحكمَ بكُفرِ من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت