دماءَ جماعَةٍ من أهلِ العلمِ! جهالَةً وضلالَةً وجرأةً على الله؛ ومخالَفَةً لشريعَةِ رسولِ اللهِ؛ وتلاعبًا بدينهِ؛ بِمجرّدِ نصوصٍ فِقْهِيّةٍ واستنباطاتٍ فروعِيةٍ ليسَ على أثارَةٌ مِن علمٍ، فإنا لله وإنا إليهِ راجعون.
وقالَ في ترجمةِ القاسمِ بن أحمدَ من آلِ لُقمان: لا ريبَ أن أشد أنواعِ الغيبَةِ وأضرّها وأشرّها وأكثرها بَلاءً وعقابًا ما بلغَ مِنها إلى حدّ التكفيرِ واللعْنِ، فإنه صح أن تكفير المؤمنِ كفرٌ؛ ولعنهُ راجعٌ إلى فاعلهِ، وسبابَهُ فسقٌ، وهذه عقوبةٌ من جهة الله سبحانه، وأما من وقع له التكفير واللعن والسب فمظلمةٌ باقيةٌ على ظهرِ المُكَفّرِ واللاعنِ والسبّابِ، فانظرْ كيفَ صارَ المُكَفّرُ كافرًا، واللاعنُ ملعُونا؛ والسبّابُ فاسقًا، ولَم يكنْ ذلكَ حدّ عقوبَتِهِ، بل غريمهُ ينتظرُهُ بعرصاتِ المحشرِ ليأخذَ من حسناتهِ، أو يضعَ عليه من سيئاتِهِ بمقدارِ المظلمة. انتهى.
وفي ترجمة المؤيدِ بالله يحيى بن حمزةَ؛ ولدَ عام (669) : له ميلٌ إلى الإنصاف؛ مع طَهارَةٍ لسانٍ وسلامَةٍ صدْرٍ، وعدمِ إقدامٍ على التكفيرٍ والتفسيقِ بالتأويلِ؛ ومبالغَةٍ في الحملِ على السلامةِ على وجهٍ حسن، وهوَ كثيرُ الذب عن أعراضِ الصحابةِ المصونةِ رضي الله عنهم؛ وعن أكابرِ علماءِ الطوايفِ رحمهم الله.
ثمّ رأيتُ في ترجمةِ عَمَارَةَ اليمَنِي من كتابِ سِمطِ النجومِ العوالي لعبد الملك بن حُسينٍ العِصامِي المكّيّ؛ ذكرَ فيها بيتًا نُسبَ إلى عمارَةَ هذا حكمَ بسَبِبهِ بعضُ العلماءِ بِكُفرِهِ: وهو قولُهُ في النبي صلى الله عليه وسلم:
قَدْ كانَ أولُ هذا الدينِ من رَجُلٍ ... سَعَى إلى أنْ دَعَوْهُ سيدَ الأمَمِ!.
قال العمادُ الكاتبُ: فأفْتَى علماءُ مِصْرَ بِكُفْرِهِ وَقَتْلِهِ، وحرّضُوا السلطانَ علَى الْمُثْلَةِ بِمِثْلِه، قالَ: ويَجُوز أن يكونَ الشعرُ معمولًا علَيْه، كذا قالَهُ العلاّمَةُ ابنُ السبُكِيّ. أَقولُ: سُبْحانَ اللهِ كَيْفَ هَذا الإفْتاءُ بالكُفْرِ والحالُ أنّ هذا اللفْظَ لَيْسَ ظاهرًَا فيما يُوجِبُ الكُفْرَ فضلًا عن أنْ يكونَ نصًا؟، إذْ قولُه: سَعى؛ يَحْتَمِلُ أن يُريدَ بهِ سعْيَهُ صلّى اللهُ عليهِ وسلمَ في إبلاغِ دينِ الله، وعرضَه نفسَه على القبائلِ، وصبْرَه علَى مَا لاقاهُ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ وَغَيرِهِمْ، وجهادَه في إعلاءِ كلمةِ الله وإعلانِها، وهذا هُوَ الظاهِرُ ظهورًا بينًا، والمطلوبُ والْمُتَعَيّنُ الحمْلُ عَلَيهِ؛ إذِ الإيمانُ وَالعِصْمَةُ ثابتانِ لهُ قَبْلَ ذلك بلا شكّ، فَعِنْدِي فِي هذا التكْفِيرِ تَفْكِيرٌ. انتهى.
ولوْ أحْسَنَ المُنْصِفُ التأملَ فيما صنَعْتُ وكتبْتُ لَعَلِمَ أن فيهِ أعْظَمَ المُناصرَةِ لكُلّ صاحِبِ دَعْوَةِ حَقٍّ إن شاء الله, فإنّهُ لا شَيءَ أحوجُ فِي زَمانِنا هذا إلى الحِكْمَةِ مِنَ الأخْذِ بأَيدِي المسلمِينَ إلى إقامَةِ ما أمَرَ اللهُ تعالى بهِ مِن التوْحِيدِ والشرْعِ, وإنما هُو أمرٌ بَينَ أمرَينِ؛ ووَاسِطَةٌ بَينَ طرَفَينِ, فلا الإغْضاءُ والسكُوتُ عَن إقْصاءِ سلطانِ الشرْعِ وهَيْمَنَتِهِ علَى حَياةِ المسلِمينَ, والرضا بأيّ بَدِيلٍ عَنْهُ كائِنًا ما كانَ!، ولا الغُلُوّ بِرَمِي أهلِ الإسلامِ بالخُرُوجِ من الدينِ واستِباحَةِ دمائِهِمْ وأموالِهِمْ وتَفْرِيقِ جَماعَتِهِمْ وتسليطِ عدُوّهِم عَلَيهِم بحجةِ الدعْوَةِ إلَى التّوْحِيدِ!، بل الدعْوَةُ إلى التوحِيدِ مع الرحْمَةِ والرفقِ بأهلِ الإسلامِ، والجَرْيِ على وَفْقِ القواعِدِ المُقررَةِ المحرّرَةِ عندَ أهلِ السنةِ والجماعَةِ رحمَهُم اللهُ في تنزيلِ الأحكامِ علَى الوقائعِ والحوادِثِ، ومُراعاةِ ما طَرأَ علَى أهلِ الإسلامِ وبِلادِهِمْ من تآمُرِ غَيرِهِم من الأمَمِ علَيهِم, ومِن بُعْدِ العهْدِ عن سلطانِ شَرِيعَةِ الإسلامِ، ومِن فُشُوّ الكُفْرِ والظلْمِ المانِعَيْنِ مِن تَبْلِيغِ الحَقّ للناسِ، وغَيرِ ذلكَ مِما لَهُ أعظَمُ الأثَرِ فِي بلُوغِ الغايَةِ المَرْجُوّةِ مِن الدعْوَةِ مِن جِهَةِ، والسلامَةِ مِن الآصارِ والأغْلالِ التِي تُحمّلُ الدعْوَةَ ما لا تُطِيقُ فتُفْضِي بِها إلَى الضغْفِ والانْقطاعِ من جهةٍ ثانِيَةٍ، وجَمعِ أهلِ الإسلامِ علَى تَحْقِيقِ مَصالِحِ الأمّةِ الكُبْرَى مِن جِهَةٍ ثالثةٍ، وحِمايَةِ ثُغُورِ المُسلمِينَ من أنْ يَنْفُذَ مِنْها ما فيهِ جِنايَةٌ علَى العقْلِ أو تَفْرِيقٌ للكلمةِ، وغَيرِ ذلكَ مما لا يَخْفَى علَى العالِمِ الفقيهِ خَطَرُهُ، ولا أجدُ الآنَ سعَةً للتفْصيلِ فِيهِ.