أفْرَحُ حِينَ أذبّ عن شرْعِ اللهِ تعالَى تأويلَ الجاهِلينَ وانتحالَ المُبْطِلينَ، وذلكَ من فضلِ اللهِ تعالَى الذي قالَ فِيه: ?قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَلْيِفْرَحُوا?؛ فما الذي يُنكِرُهُ القائلُ من هذا؟!؛ ثُمّ إنني لو رَدَدْتُ علَيهِ كلامَهُ بمِثْلِهِ فقلتُ لهُ: وتكْفِيرُكَ لحماسٍ مِمّا يَفْرحُ بهِ اليهودُ والنصارَى وإخوانُهم من المنافِقِينَ الذينَ يتربصونَ الدوائرَ بالمسلمينَ، مع ما فيه من الجنايةِ على التوحيد لما فيه من قطْعِ الموالاةِ بَينَ المسلمِ والمسلم, وترك ما أمر الله تعالى به من المناصرة بين المسلمين, وما يلزَمُ معَ ذلكَ مِن إباحَةِ دمائِهِمْ لِعَدُوِّهِمْ؛ وإثارَةِ العداواتِ بَينَهُمْ حتى يضْرِبَ بعضُهُم رقابَ بعضٍ ويسفكَ بعضُهُم دماءَ بعْضِ!؛ والعدُوّ لا يطمعُ في أكثرَ من هذا!، وأينَ فرحُ المسلمينَ بِفَتوايَ من فَرحِ اليَهُودِ والنصارَى بِفتواكَ؟!، لو رَدَدْتُ عليهِ بِهذا فمَا عَسَاهُ يقولُ؟!.
وأمّا قولُهُ: إن فَتواهُ أساءَتْ إلى (المُوحدِينَ) في غَزّةَ!؛ فَفِيهِ خطأَانِ:
أما الأولُ: فإنّ الإساءَةَ إنما تكونُ بما خالَفَ الشرْعَ لا بما وافَقَهُ، والتحْذيرُ من الغُلُوّ في تكفيرِ المُسلمِ خاصّةً مع قيامِ المانعِ المعْتَبَرِ شرْعا؛ راجِعٌ إلى التوحِيدِ أيضًا، لأنّ الحكمَ بالتكْفِيرِ يُفْضِي إلى قطْعِ المُوالاةِ التِي أمرَ اللهُ تعالَى بِها بينَ المؤمنينَ، وموالاةُ المؤمِنِ من التوحيد، كما أن مُناصَرَةَ المسلِمِ نصرٌ للتوحيد، وأيضًا فإنّ التهاوُنَ فِي رَمْيِ المُسلمينَ بالكُفْرِ إغْراءٌ لَهُم علَى الكُفْرِ، فإنّ الرجُلَ إذا عَلِمَ أَنّهُ يَبْذُلُ وسْعَهُ في مُناصَرَةِ الشرْعِ - سواءٌ أصابَ في ذلكَ أو أخطأَ تأويلًا أو جَهلًا - ومَعَ ذلكَ يُرْمَى بالكُفْرِ! رُبّما حَملَتْهُ الحَمِيّةُ علَى الاستِهانَةِ في الوقوعِ في المكفّراتِ، كما أخبرَ النبي صلى الله عليه وسلمَ عمّنْ قتلَ تِسْعَةً وتسعينَ نفسًا؛ وسألَ عابدًا جاهلًا عن التوبةِ: فقالَ لهُ: لا تَوبَةَ لكَ!؛ فأغراهُ بجَهْلِهِ على الاستِزادَةِ من المعْصِيَةِ فقتلَهُ!، وهكذا هنا، فإنّ التهاوُنَ في التكفيرِ يُغْرِي علَى الوقوعِ في الكفرِ، ولذا جاءَ في الشرْعِ من التغليظِ القولِي والعملِيّ في (تكفير المسلمِ) مالم يأتِ فِي غيرِهِ، فالقولِي: مشهورٌ، والعلميُّ: كالأمرِ بِقَتْلِ الخوارجِ، حتى توعَّدَهُم النبِي صلى اللهُ عليهِ وسلم بشرّ القتلِ؛ قَتِلِ عادٍ وثمودَ!، ولهذا أيضًا تَجِدُ من قواعِدِ العُلماءِ وتصرّفاتِهِمْ في هذا البابِ ما يضبطُهُ أعظَمَ الضبْطِ، ومِن التحرّي والحَيطَةِ والوقوفِ علَى دَلالاتِ الألفاظِ واستِقْصاءِ الوجُوهِ التِي يحتَمِلُها القولُ أو الفعْلُ ما فيهِ مُزْدَجَرٌ لِمَن ألْقَى السمْعَ وهُو شَهيدٌ.
كما قالَ ابنٌ تيمِيةَ رحمَهُ اللهُ: وَإِذَا كَانَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ ثَبَتَ ضَلاَلُهُمْ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ لَمْ يُكَفَّرُوا مَعَ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِقِتَالِهِمْ؛ فَكَيْفَ بِالطَّوَائِفِ الْمُخْتَلِفِينَ الَّذِينَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ الْحَقُّ فِي مَسَائِلَ غَلطَ فِيهَا مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ؟ فَلا يَحِلُّ لأَحَدِ مِنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ أَنْ تُكَفِّرَ الأُخْرَى وَلا تَسْتَحِلَّ دَمَهَا وَمَالَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا بِدْعَةٌ مُحَقَّقَةٌ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ الْمُكَفِّرَةُ لَهَا مُبْتَدِعَةً أَيْضًا؟ وَقَدْ تَكُونُ بِدْعَةُ هَؤُلاءِ أَغْلَظَ؛ وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ جَمِيعًا جُهَّالٌ بِحَقَائِقِ مَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ؛ وَالأَصْلُ أَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ مُحَرَّمَةٌ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لاَ تَحِلُّ إلاّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... إلى أن قالَ: وَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ مُتَأَوِّلًا فِي الْقِتَالِ أَوْ التَّكْفِيرِ لَمْ يُكَفَّرْ بِذَلِكَ ... . انتهى.
ومِن تَحَرِيّهِم في الحكْمِ بالتكْفِيرِ في النوازِل الكُبرَى خاصّةً أنْ يُجْمَعَ لها الأكابِرُ مِن أهلِ العلمِ؛ حتى يكونَ الرأيُ فيها أقرَبَ إلى الإصابَةِ، كما صنعَ أبو بكْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لما اسْتَشارَ صحابَةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلمَ في قتالِ المرتَدِينَ.
وَأعجبُ مِن هذا أنّ العالِمَ إن وَقعَ مِنهُ تساهُلٌ فِي هذا البابِ ذكروهُ في ترجَمَتِهِ وحذروا منه، وانظرْ إن شئتَ ترجمةَ الإمامِ الكبيرِ بُرْهانِ الدينِ البقاعِيّ من البدْرِ الطالِعِ للشوكانِي، فقد شنّعَ على القاضِي المالِكِيّ الذي رامَ الحكمَ بتكفيرِهِ، ثمّ قال: وقد امتَحنَ اللهُ أهلَ تلكَ الديارِ بِقضاةٍ من المالكيةِ يَتجرّوْنَ على سفكِ الدماءِ بما لا يحلُّ بِهِ أدنى تعزيرٍ؛ فأراقوا