العُلماءِ الاشْتِغالُ بَتَفْنِيدِ أقوالِ هذهِ الطبَقَةِ؛ إلاّ علَى سَبيلِ الجُمْلَةِ فِيما يكتُبُونَ؛ أو أن يشيعَ بَينَ الناسِ أمرُهُ؛ ويُخافَ علَيهم ضَرَرُهُ وخطَرُهُ.
ومِن العجائِبِ - والعجائبُ جمةٌ- أنْ يُنْكِرَ بَعْضُهُم علَيّ القوْلَ بِوُجوبِ مُناصَرَةٍ (حماسٍ) في جهادِهها لِعَدُوّ الإسلامِ؛ لما أمَرَ الشارِعُ بِهِ من الموالاةِ بَينَ المسلمِ والمسلم؛ ثُمّ لا يُنْكِرُ علَى نَفْسهِ أنْ يكَفّرَ أمّةً بأسْرِها لا يَزالُ العَدُوّ يُقاتِلُها لِدِينِها وإسلامِها بِجّرةِ قَلَمٍ!، لأنّهُ لا تأخُذُهُ فِي اللهِ لومَةٌ لا ئِمٍ؛ زعَمَ!؛ فإن بدا لَهُ بَعْدَ لأْيٍ أنْ قَدِ اصْطُلِمَ الإسلامُ وأرِيقَتُ دماءُ المسلمينَ بِفَتْواهُ قال: سَبْقُ قَلَمٍ؛ والقَلَمُ قَدْ يُخْطِئُ!!، وأقولُ: رحِمَ اللهُ من قال: رُبّ نُقْطَةٍ بِسِنّ قَلَمٍ؛ شرٌّ مِن نشْطَةٍ بِنابِ أَرْقَمٍ!.
أما خادِمُ العلمِ وأهلِهِ أبو الوليدِ؛ فَيُقِر عاقِلًا مُرِيدًا مُخْتارًا غَيرَ مُكْرَهٍ أنَهُ جَبَانٌ رِعْدِيدٌ إنْ تَعَلّقَ الأمرُ بِدماءِ المُسلمينَ وأعْراضِهِمْ؛ وأنّهُ لا يُقْدِمُ علَى شَيءٍ مِن ذلكَ إلا بُبُرْهانٍ من الشرْعِ يَجْرِي الاستِدْلالُ بِهِ علَى قواعِدِ أهلِ العِلمِ وأصولِهِمْ، لكِنّهُ مَتَى تَعَدّى الأمْرُ إلى الذوْدِ عنْ جَنابِ الشرْعِ وحِفْظِ حُدُودِهِ فَهُوَ إن شاء اللهُ الليْثُ إذا غَضِبَ, والمُهَنّدُ إذا قَضَبَ، واللهَ يسألُ أن يَجْعَلَ هَواهُ تَبعًا لما جاءَ بِهِ سبحانه.
والوقوفُ مَوقِفَ المَنْعِ مِنْ تَكْفِيرِ مَنْ ثَبَتَ لهُ عقْدُ الإسلامِ بِيَقِينٍ إلاّ بدليلٍ من الشرْعِ هُو الأصْلُ فِي الشرْعِ، وهُو الذي دلّ علَيهِ كتابُ اللهِ تعالَى وسنةُ نبيهِ صلى اللهُ علَيهِ وسلمَ وإجْماعُ المسلمينَ؛ وبَينَ هذا والحُكمِ علَى المُعَيّنِ (بالكفرِ) مَفاوِزُ وقِفارٌ تَنقطِعُ فِيها أعناقُ المَطِيّ!؛ ولا يقدِرُ علَيها إلا الفحولُ الراسخُونَ فِي العِلمِ، ثُمَ بعدَ هذا كلّهِ قدْ يصيبُ المُجتهدُ وقَدْ يخطِئُ, وإنما الناسُ كإبلٍ مائةٍ لا تكادُ تجدُ فِيها راحلةْ!.
ومما لا مَحَلّ لهُ قولُ بَعْضِهم في رسالةٍ أخرَى: إنّ فَتوى الشيخِ في حماسٍ مما فَرِحَتْ بِهِ حماسٌ؛ وأساءَتْ إلَى (الموحدِينَ) في غَزّة!. انتهى، وقدْ كانَ حَقُّ هذا الكلامِ أن لا يُلْتَفَتَ إلَيهِ؛ لأنهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بالعِلمِ والفتوى أصْلًا، لولا ما فِي التعليقِ علَيهِ من تنبيهِ القائلِ على ما يجبُ علَينا وعليهِ من سلوكِ سبيلِ الأدبِ والوقوفِ عندَ حدودِ الشرعِ، وليكونَ الفيصلُ في النزاعِ إلى كتابِ اللهِ تعالى وسنة نبيهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلمَ دونَ غيرِهما من الموازِينِ المُحدَثَةِ التي لا يخفى أثرُها على النفسِ؛ وقد خلِقَ الإنسانُ ضعيفًا.
فإن أرادَ صاحِبُكَ بِهذا أننِي صانَعْتُ (حماسًا) فِي الفَتوَى؛ وكتَمْتُ من العِلْمِ مُجارَاةً لها ما كانَ يجبُ علَيّ بَيانُهُ، فَهذا أمرٌ لا يَعْلَمُهُ إلا الذي يعلَمُ السرّ وأخفَى، فكيفَ يدّعِي هذا علَيّ وينْسُبُهُ إليَّ؟، إن كانَ بِشيءٍ بَدَرِ مِنّي يدلُّ عليهِ فليأتِ بِهِ إذَنْ، وأنا طوْعُ الشرْعِ وعَبْدُ الذي أنزلَهُ سبحانهُ؛ وسَيَجِدُنِي الناصِحُ إن شاءَ اللهُ من الشاكرينَ، وإن لَمْ يكُنْ - وإنما الأمرُ تَقَوُّلٌ كما رأيتُ كثيرينَ غَيرَهُ يَصْنَعُونَ معَ غيرِي من عُلماءِ المسلمينَ! - فليَحْذرْ فإنّ الوقوفَ بينَ يَدِيِ اللهَ تعالَى قريبٌ، وعلى علماءِ المسلمينَ الأخْذُ علَى أيْدِي الناشئَةِ والأتباعِ والإحسانُ إلَيهِم بالنصحِ والإرشادِ؛ فإنّ الطعْنَ في أحدٍ مِن أهلِ العلمِ بِغَيرِ حَقٍّ والتهاوُنَ فِي هذا يستَلْزِمُ الصدَّ عن سَبيلِ اللهِ وإيثارَ الجهلِ على العلمِ، واللهُ المستعانُ.
وإنْ كانَ فَرَحُ (حماسٍ) لِمُوافَقَةِ الفتوى أصولَ الشرْعِ وقواعِدَهُ - وهذا الذي راعَيتُهُ فحسْبُ - فأنا والله أيضًا أفْرَحُ لِفَرَحِ المسلمينَ، وللذبّ عن دينِهِم وأعراضِهِم، ولامْتِثالِ ما أمرَ اللهُ تعالى بِهِ مِن مُولاتِهِمْ وَمُناصَرَتِهِم على عَدُوّهِمْ؛ كما