فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 269

ومنها: إذا اجتَمعَ ضررانِ أُسقِطَ الأصغرُ للأكبرِ مِنهما.

ومنها: إذا تقابلَ مكروهان أو محظورانِ أو ضررانِ ولم يُمكنِ الخروجُ عنْهما وجبَ ارتكابُ أخفّهِما.

ومنها: أنّ عمومَ الضرُورَةِ وجْهٌ آخَرُ يقتضي الجوازَ غير الضرورِةِ نفسها، وهي القضاءُ على الخاصةِ لمصلحَة العامة.

ومنها: إذا ثَبَتَتِ الأحكامُ بالسننِ للمَعانِي والعِلَلِ وجَبَ القِياسُ عَلَيْها.

ثُم رأيتُ في فتاوي العلامّةِ مصطفى بن أحمدَ الزرقا قريبًا من نحوِ هذا؛ ومن سياقهِ تَظهَرُ مُناسَبَةُ الفتوى حيثُ قالَ في إقامَةِ حَدِّ الرجْمِ:

ذلكَ أنّ تَوقيتَ هَذَا التطبيقِ فِي هذا الوَقْتِ غيرُ مُناسِبٍ؛ لأَنّهُ سَيَفْتَحُ البابَ علَى مِصراعَيْه لِخُصُوم الشرِيعَةِ لِيُهاجِموا هذِهِ الخطْوَةَ الميمونةَ فِي الجمهوريةِ العرَبية الليبية!، مُتذَرِّعينَ أمامَ الملاحدَةِ والجاهلين والضّالين في العالم الخارجِيّ والداخِلِيّ بقضِيّةِ الرَّجْم، وأَنّه لا يَتَّفِقُ مَعَ المفاهِيمِ العالَمِيةِ اليومَ للعقُوبةِ فِي قَسْوتِه، ومحاولين أنْ يَنْفُذوا بِهذا (إلَى) التنفِير مِن هذهِ الخطوة المباركة كلِّها في الجمهورية الليبية.

ولا نَنسَى أنَّ الشريعة الإسلامية الغَرّاء قد سَلَك اللهُ تعالى ورسُولُه صلّى اللهُ عليهِ وسلّم فيها خُطَّة التدرُّج في إعلان أحكامها، ونحنُ اليومَ فِي جَاهِلِيّةِ عَصْرِ العِلْمِ وغُرُورِهِ، وما انتَشرَ فِيهِ مِنْ إِلْحَادٍ وَكَيْدٍ للإسلام وشريعتهِ فِي محيط أهله أنفسهمِ!، بَلْهَ المحيطات الأجنبية، قد نَكون أَحْوجَ فِي تطبيقِ الشريعَةِ إلَى هذِه الحِكْمَةِ فِي التدَرُّجِ حينَ نَتمكَّن من تطبيقها في بعض الأحوال, خَشية النَّكسةِ وفَتْحِ الثُّغُرات للخصوم في الهجوم والتشويه.

فقدْ يَكون من الخير أنْ يُقتصَر الآن على إعلان تطبيق حدِّ الجَلْد فقط في جميع أحوال الزِّنَى بانتظار الوقت المناسِب لإعلان الرَّجْم تعزيرًا أو حدًّا بعد أنْ تأتَلِفَ النفُوسُ وَأَحْكامُ الشرِيعَةِ، وتَرَى مَزاياها. انتهى.

وقُصارَى القوْلِ ومُنْتَهاهُ أنّ صِنيعَ (حماسٍ) - إن صَحّ ما ذكرُوهُ - محمولٌ عنْدَنا على هذا المحْمَلِ، لما ذكرْناهُ من القرائنِ؛ ولأنّ كَونَهُ في العُقوبَةِ لا في أصلِ حُرْمَةِ الزنا مُشْعِرٌ بِهَذا المقْصَدِ، وهذا والذي ذكرَهُ الزرْقا في فتواهُ مُوافقٌ لما ذكرَهُ الفُقهاءُ من أن عقوبَةَ الزنا كانَتْ مُتَدَرّجَةً؛ أولًا بالإيذَاءِ، ثُمّ الْحَبْسِ؛ ثُمّ اسْتَقَرّتِ العُقُوبَةُ الأخِيرَةُ التِي هِيَ الجلْدُ معَ النفْيِ للبِكْرِ والرجْمُ للثّيّبِ، والآياتُ لا تَدُلُّ علَى التّدَرُّجِ فِي التّحْرِيمِ، وإنّما تدلُّ علَى التدَرُّجِ فِي العُقُوبَةِ، وأما التحريم فهو أمرٌّ مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ أوّلِ الأمْرِ، فَهذا مَنزِعُ هذهِ الفَتوى، وعلَى كلّ حالٍ فَبَيْنَ هذا الذي ذكَرناهُ وبينَ الأولِ الذي هُو التشريعُ مَعَ اللهِ تعالَى من الفرقانِ أعظَمُ مما بينَ السماواتِ والأرْضِ، وقدْ ذكرْتُ هَذَا لبعْضِ أكابِرِ العلماءِ في مَعْرِضِ بَحثِ هذهِ النازِلَةِ؛ فَسُرّ بِهِ وَقالَ: هذهِ مسألَةٌ أُخْرى ولا نسبَةَ بينَها وبينَ التشريعِ أبدًا، أقولُ: وسيانِ قالَ المخالِفُ بجوازِ ذلكَ أو منعَهُ فَلا يَصِحُّ معَ بسْطِ هذهِ الأعذارِ إطلاقُ القولِ بالتكفيرِ، وذلكَ مُوافِقٌ للواجبِ من الاحتياطِ في تكفيرِ المسلمِ؛ فإن بابَ التكفيرِ خطَرٌ عظيمٌ ولا نعدِلُ بالسلامَةِ شيئًا، وليس الاحتياطُ في الافتراءِ على الله تعالى بتكْفيرِ المسلمِ الذي لا بدّ له من الدليل، بل في القولِ ببقائهِ على الإسلامِ الذي هو الأصلُ فيه.

وأما اتخاذُ هذه العقوبَةِ التعزيرِيّةِ قانونًا يلتزِمُهُ القضاةُ فغايَتُهُ أنّهُ من قَبيلِ تَقْنِينِ أحكامِ الشريعَةِ الإسلامِيّةِ - ومن أحكامِها التعزيراتُ -؛ خاصّةً على قولِ من يقولُ إن التعزيراتِ لنظرِ الإمامِ، ومعَ ضَعْفِ قضاةِ الوَقْتِ وعدمِ معرِفَتِهِم بكيفِيةِ إجراءِ الأحكامِ على قوانِينِها، ولا يزالُ الخلافُ بينَ العلماءِ في التقنينِ قائمًا بينَ مُجِيزٍ ومانعٍ؛ منْذُ أن بدأ التقنينُ زمنَ الدولَةِ العثمانِيةِ؛ وكانَ أولَ ذلكَ في (مَجَلّةِ الأحكامِ) المشهورَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت