أمرهم أنه كان فيهم طائفة من ذوي المعرف والعلوم، خصوصًا بعلم الهندسة والنجوم. ويدل على ذلك ما خلفوه من الأشغال البديع المعجزة، كالأهرام والبرابي، فإنها من الآثار التي حيرت الأذهان [الثاقبة، واستعجزت الأفكار الراجحة] ، وتركت لها شغلًا بالتعجب منها، والتفكر فيها. وفي مثلها يقول أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري في قصيدته التي يرثي بها أباه:
تضل العقول الهبرزيات رشدها ... ولا يسلم الرأي القويم من الأفن
وقد كان أرباب الفصاحة كلما ... رأوا حسنًا عدوه من صنع الجن
وأي شيء أعجب وأغرب بعد مقدورات الله ومصنوعاته، من القدرة على بناء جسم [جسيم] من أعظم الحجارة، مربع القاعدة مخروط الشكل، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع ونحو سبعة عشر ذراعًا يحيط به أربعة سطوح مثلثات متساوية الأضلاع، طول كل ضلع منها أربعمائة ذراع وستون ذراعًا وهو مع هذا العظم، من إحكام الصنعة وإتقانها، في غاية من حسن التقدير بحيث لم يتأثر إلى هلم جرا بعصف الرياح وهطل السحاب،