و في معاملاته مع الآخرين لم يكن يضع نفسه على مستوى أرفع من غيره البتة . كان يضع نفسه على قدم المساواة مع سائر الناس . وذات يوم ، وكان قد احتل في « المدينة » مقامًا أشبه بمقام الملك ، وفد عليه يهودي يقتضيه دينًا ما ، وخاطبه في جلافة وخشنونه قائلًا إن بني هاشم لا يردون أيما مال اقترضوه من شخص آخر . فثارت ثاثرة عمر لوقاحة اليهودي ، ولكن الرسول عنفه ذاهبًا إلى أن الواجب كان يقتضي عمر أن ينصح كلًا من المدين والدائن: أن ينصح المدين - الرسول - برد الدين مع الشكر ، وأن ينصح الدائن بالمطالبة به بطريقة أليق . ثم دفع إلى اليهودي حقه وزيادة ، فتأثر هذا الأخير تأثرًا عظيمًا بروح العدل والإنصاف عند الرسول ، ودخل في الإسلام . وفي مناسبة أخرى وكان مع أصحابه في أجمة من الآجام ، حان وقت إعداد الطعام ، فمهد إلى كل امرىء في القيام بجانب من العمل ، وانصرف هو نفسه إلى جمع الوقود . لقد كان برغم سلطانه الروحي والزمني يؤدي قسطه من العمل مثل رجل عادي . وكان يراعي ، في معاملته خدمه ، مبدأ المساواة نفسه ، وقال أنس:"خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي أف قط ، وما قال لشيء صنعته لم صنعته ، ولا لشيء تركته لم تركته . « ولم يبق أيما عبد على عبوديته . فما إن يؤل إليه عبد رقيق حتى يسارع إلى إعتاقه . وطوال حياته كلها لم يضرب قط خادمًا أو امرأة » )) [1] ."
القائد السياسي والحاكم الإنسان
وفي ختام بحثنا هذا ، نقف عند نقطة أثيرت في أكثرة من مبحث وهي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي كان نبيًا ومشرعًا وإداريًا وقائدًا عسكريًا ، ظل إنسانًا بسيطًا في حياته تتسم بسائر جوانبها بطابع البساطة والنبل ، يقول الباحث جيمس متشنر عارفًا جوانب من شخصية الرسول القائد السياسي والحاكم الإنسان:
(1) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته .