أشرنا من قبل إلى اللحظة النماذجية كمفهوم تحليلي. ونحن نشير إلى اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية باعتبارها «لحظة الصفر العلمانية» ، أي لحظة هيمنة نموذج الواحدية المادية هيمنة كاملة لأن أسطورة الأصل العلمانية الشاملة تذهب إلى أن العالم ظهر بالصدفة المحضة من مادة أولية سائلة غير مُشكَّلة ومن خلال تفاعل كيمائي بسيط أنتج خلية واحدة لزجة تطورت بالصدفة حسب قانون صارم، ثم نمت وتطورت إلى أن أصبحت الإنسان الطبيعي (المادي ذا العقل الذي يشبه الصفحة البيضاء الشمعية والذي لا يتمتع بأي انفصال عن الطبيعة. فهو بغير هوية محددة ولا يمكنه تَجاوُز ذاته الطبيعية أو الطبيعة/المادة، وهو يعيش خاضعًا تمامًا لقوانين الضرورة والصيرورة لا يملك فكاكًا منها، أي أن كل لحظات وجوده هي سيولة دائمة، فهي لحظة جنينية كاملة.
ولكن نقطة الصفر لا تنصرف إلى الأصل وحسب، وإنما تنصرف إلى النهاية، فنهاية النموذج العلماني تفترض أن الإنسان سيكون متحكمًا تمامًا في واقعه متمركزًا تمامًا حول ذاته، فهو كالإله يتجاوز الخير والشر والبكاء والضحك، ومن ثم يصل إلى نقطة نهاية التاريخ وقمة التقدم والفردوس الأرضي. ولكن هذه اللحظة، رغم صلابتها، هي أيضًا لحظة جنينية يفقد فيها الإنسان مركزيته وحدوده وهويته واستقلاله عن الطبيعة ويصبح جزءًا لا يتجزأ من الكل: الدولة ـ المجتمع ـ الطبيعة ـ الطبقة العاملة. وتسود الواحدية المادية، فيصبح الكون واحديًا ماديًا تمامًا، متساوية أجزاؤه. ولحظة البداية، شأنها شأن لحظة النهاية، هي أيضًا لحظة ترانسفير حيث يمكن لأي شيء أن يحل محل أي شيء آخر، ويصبح قابلًا للاستعمال والتنقل والنقل والترحيل. وهي لحظة تَشُّيؤ وتَسلُّع وتَوثُّن، إذ تسري على الإنسان نفس القوانين التي تسري على الأشياء وتصبح الطبيعة/المادة هي مرجعيته النهائية المادية فيصبح كائنًا طبيعيًا وشيئًا يشبه الآلة.