فهرس الكتاب

الصفحة 539 من 8511

في هذا الإطار أصبحت الطبيعة غير الواعية هي المرجعية والمركز، فانفصلت النزعة التجريبية (التي مركزها المادة) عن النزعة العقلية الإنسانية (التي مركزها الإنسان) إلى أن تحررت تمامًا منها، وحقق العلم الغربي انتصاراته الضخمة بسبب حياده وموضوعيته الرهيبة، وانفصاله عن القيم، وهو ما يعني في واقع الأمر تَجاهُل الإنسان وغائياته وقيمه ومثالياته ومطلقاته وتبني مُثُل النفعية الداروينية. ولعل مصطلح «العقلانية التكنولوجية أو المادية» يصف إلى حد ما ما نحاول الإفصاح عنه. وقد طرح العلم نفسه باعتباره القادر على الإتيان بالحلول العلمية الأكيدة لكل المشاكل المادية وغير المادية (وهي غير مادية بشكل ظاهر وحسب، فكل شيء في نهاية الأمر مادي) . وادعى العلم أنه مصدر القيمة وأنه القادر على تزويد الإنسان بالرؤية السليمة للأشياء، وأنه سيحقق للإنسان السعادة والخلاص والتحكم الكامل في الطبيعة وتسخيرها لصالحه بل هزيمتها تمامًا. ولكن كل هذا لن يتحقق إلا إذا قَبل الإنسان العلم هاديًا ومرشدًا ودليلًا، وسلم له أمره وتبنى منهجه ومعاييره وقيمه وغائياته وطبَّقه على واقعه بشكل منهجي متكامل وتخلَّى عن أية غائيات إنسانية أو تساؤلات أو محاولات للتجاوز، ومن هنا تم تهميش العقل البشري. وبدلًا من أن يحاول الإنسان تَجاوز ذاته الطبيعية والطبيعة المادية، أصبحت مهمته أن يتبعها، وأن يعيد صياغة الواقع الإنساني حسب قوانين الطبيعة/المادة التي يتلقاها جاهزة من العلم والعلماء. وتم تحييد الإنسان وتدريبه على قبول المبادئ العامة المجردة المتجاوزة للإنسان دون تساؤل، ومن ذلك المبادئ العلمية وغيرها من المجردات، بحيث يخضع العقل تمامًا لمنطق الأشياء ويرى أن لكل شيء منطقه ومرجعيته الذاتية التي تتفق مع المرجعية المادية العامة، التي تَجبُّ سائر المرجعيات، ومنها المرجعية الإنسانية نفسها. ولا يمكن للإنسان أن يحقق لنفسه قدرًا من الحرية إلا من خلال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت