لعل من الضروري أن نتناول إشكالية تخصنا وحدنا كعرب وكمسلمين ومسيحيين وهي موقفنا من الإبادة النازية لليهود. أما موقفنا من الإبادة النازية كمسلمين وكمسيحيين فهو واضح تمامًا لا لبس فيه. فالقيم الأخلاقية الدينية (الإسلامية والمسيحية واليهودية) لا تسمح بقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق. وقد جاء في الذكر الحكيم:"من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعًا". (المائدة ـ 32) .
ويحاول الغرب إقحام الجريمة النازية داخل التاريخ العربي حتى يُبرِّر غرس الدولة الصهيونية الاستيطانية في وسط الوطن العربي، تعويضًا لليهود عما لحق بهم من أذى داخل التشكيل الحضاري الغربي وداخل حدود أوربا الجغرافية. وتحاول الدعاية الصهيونية، بممالأة الغرب، أن تنجز ذلك من خلال آليتين أساسيتين:
1 ـ تحاول الدعاية الصهيونية جاهدة أن تصوِّر المقاومة العربية للغزو الصهيوني لفلسطين وكأنها دعم مباشر أو غير مباشر للإبادة النازية، لأنها حالت في بعض الأحيان دون دخول المهاجرين اليهود لفلسطين. ومثل هذه الحجة لا أساس لها من الصحة. فالمقاومة العربية لم تكن ضد مهاجرين يبحثون عن المأوى وإنما كانت ضد مستوطنين جاءوا لاغتصاب الأرض وطرد أصحابها، تحت رعاية العالم الغربي، وبدعم من حكومة الانتداب البريطانية (ومن النازيين أنفسهم) ، وفي الوقت الذي كانت الدول الغربية توصد أبوابها دون المهاجرين اليهود. ومهما فعل الصهاينة (يؤيدهم في هذا العالم الغربي دون تحفُّظ) يظل حق المقاومة حقًا إنسانيًا مشروعًا بل اجبًا على كل إنسان يحترم إنسانيته، ويظل رفض الإنسان للظلم تعبيرًا عن نبله وعظمته، بل إنسانيته.