وغيرهما [1] ، وترداد الناس يوم الحشر إلى الأنبياء قبله ، ثم إتيانهم إليه بعد ذلك ، قال القاضي عياض في قوله صلي الله عليه وسلم: (( إن كل واحد من الأنبياء صلوات الله عليهم يقول: لست هُناكُم أو لست لها ) ) [2] : قد يكون ذلك إشارة من كل واحد منهم إلى أن هذه الشفاعة وهذا المقام ليس له بل لغيره وكل واحد منهم يدل على الآخر حتى انتهى الأمر إلى صاحبه .
ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد صلي الله عليه وسلم معينًا ، وتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على تدريج الشفاعة في ذلك إلى نبينا صلي الله عليه وسلم .
قال: وأما مبادرة النبي صلي الله عليه وسلم لذلك وإجابته لرغبتهم ، فلِتحققه: أن هذه الكرامة والمقام له صلي الله عليه وسلم .
قال أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى: والحكمة في ذلك أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن في الابتداء ، ولم يلهموا سؤال نبينا محمد صلي الله عليه وسلم هي والله أعلم إظهار فضيلة نبينا صلي الله عليه وسلم ، فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ، فلما أن سألوا غيره من رسل الله وأصفيائه فامتنعوا ، ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم ، دل ذلك على النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإدلال .
وفيه تفضيله على جميع المخلوقين من الرسل والآدميين والملائكة ، فإن هذا الأمر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره صلي الله عليه وسلم وعليهم أجمعين وهذه الشفاعة لا ينكرها المعتزلة ولا خلاف فيها .
الشفاعة الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب ، وهذه أيضًا وردت لنبينا صلي الله عليه وسلم ومن شاء الله تعالى ؛ لأن الشفاعة العظمى هي خاصة به ، ثم بعدها حلت الشفاعة للأنبياء والملائكة وغيرهم صلوات الله عليهم ، كما جاء في أحاديث الرؤيا التي رواها مسلم في صحيحه .
(1) ... حديث الشفاعة العظمة أخرجه البخاري في تفسير القرآن ، باب قول الله: { وعلم آدم الأسماء كلها } 4/1624ح4206 . ومسلم في الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها 1/180ح193 . كلاهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .
(2) ... قطعة من حديث الشفاعة العظمى ، وقد سبق تخريجه.