قال الموفق: وقياس المذهب جواز ذلك وهو مذهب أبي ثور ؛ لأن كل واحد منهما يعتقد صحة صلاة الآخر وأن فرضه التوجه إلى ما توجه إليه ، فلم يمنع الاقتداء به اختلاف الجهة ، كالمصلين حول الكعبة . وقد نص الإمام أحمد على صحة الصلاة خلف المصلي في جلود الثعالب إذا كان يعتقد صحة الصلاة فيها .
وفارق ما إذا اعتقد كل واحد منهما حدث صاحبه ؛ لأنه يعتقد بطلان صلاته بحيث لو بان له يقينًا حدث نفسه أعاد الصلاة بخلاف هذا . قال الشارح: وهذا هو الصحيح إن شاء الله .
قوله: (( ويتبع المقلد أوثقهما عنده ) )، الصحيح من المذهب: وجوب تقليد الجاهل بأدلة القبلة الأوثق من المجتهدين في أدلة القبلة والأعمى ، وعليه أكثر علمائنا . قال المجد وغيره: هذا ظاهر المذهب ؛ لأن أوثقهما وأعلمهما بالقبلة أقرب وأظهر إصابة في نظره ، ولا مشقة عليه في متابعته ، فقد كلف الإنسان في ذلك باتباع غالب ظنه . بخلاف تكليف العامي تقليد الأعلم في الأحكام فإن فيه حرجًا وتضييقًا ، ثم ما زال عوام كل عصر يقلد أحدهم لهذا المجتهد في مسألة وللآخر في أخرى ولثالث في ثالثة وكذلك إلى ما لا يحصى . ولم ينقل إنكار ذلك عليهم ، ولا أنهم أمروا بتحري الأعلم والأفضل في نظرهم .
وقدم في التبصرة: لا يجب ، واختاره الشارح وغيره فيخير وهو تخريج في الفروع كعامي في الفتيا على أصح الروايتين فيه . وقال في الرعاية: متى كان أحدهما أعلم والآخر أدين فأيهما أولى ؟ فيه وجهان .
والجاهل بالقبلة هو الذي لا يعرف دلائلها وإن شرحت له ، فأما إن كان ممن يعرفها إذا عُرفها وتثبت له ، والوقت متسع للتعلم والاجتهاد: لزمه ذلك ؛ لأنه قادر على التوجه بالاجتهاد فلم يجز له التقليد .
فإن ضاق الوقت عن ذلك ، أو كان مجتهدًا عارفًا فضاق الوقت عن اجتهاده ، أو كان محبوسًا في ظلمة ، أو من وراء حائل يمنع الاستدلال: فإن التقليد جائز له كما في الجاهل .