من بعض ، وبقول الفرزدق [1] :
إنّ الذي سَمَكَ السَّماءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُه أعَزُّ وأطْوَلُ
أي: عزيزة [2] طويلة .
والقول الأول أقوى حملًا للفظ على ظاهره ، وهو أبلغ في التعظيم وكذلك هو في الآية والبيت تقديره: هو أهون عليه بالنسبة إليكم أيها الكفار وإلى أمثالكم ممن تتفاوت عنده المقدورات ، أو أنه عاملهم معاملة من تتفاوت عنده المقدورات تنزلًا معهم وتقريبًا إلى أذهانهم ، وكذلك البيت معناه بيتًا دعائمه أعز وأطول من غيره فاختصر ضرورة القافية ولظهور المعنى .
والكبر [3] المنسوب إلى الله عز وجل كبر معنوي كما يقال: زيد أكبر في قلبي من عمرو وهو أكبر من أن يعقل كذا أو يخاطب بكذا . أما الكبر المتعارف في الأجسام وهو زيادة الامتداد في الجهات فالله عز وجل منزه عنه .
قوله: أشهد أن لا إله إلا الله . الكلام عليه في مواضع:
الأول: الشهادة نطق اللسان بما يعتقده القلب . ولا بد فيها منهما أعني الاعتقاد والنطق . ولهذا لما قال المنافقون: { نشهد إنك لرسول الله } [ المنافقون:1 ] كذبهم الله في إخبارهم بأنهم يشهدون بذلك ؛ لأنهم نطقوا برسالته نطقًا مجردًا عن اعتقاد .
ولو قال الشاهد في أداء الشهادة: أعلم أو أحق أو أخبر مكان أشهد لم يصح ؛ لأن هذه الألفاظ إنما تدل على إدراك مجرد ، وليس من ضرورتها اعتقاد ولا نطق ، إذ الإنسان قد يعلم الشيء ولا يعتقده ولا ينطق به عنادًا .
الموضع الثاني: يشهد في اللغة يتعدى بنفسه ؛ لأنه بمعنى العيان ، فيقال: شهدت كذا ، بمعنى عاينت ورأيت كذا . أما في عرف اللغة والشرع فإن دخلت على اسم لزمه حرف الجر وهو الباء تقول: شهدت على زيد بكذا ولا تقول: شهدت عليه كذا .
(1) ... البيت في ديوانه 2/155.
(2) ... في الأصل: عزيز.
(3) ... في الأصل: والكبير.