الجنابة ، ثم ترى قطرة من دم فتقصعه بريقها )) [1] .
وفي لفظ: (( ما كان لإحدانا إلا ثوب فيه تحيض ، فإن أصابه شيء من دمها بلته بريقها ثم قصعته بظفرها ) ) [2] . وهو إخبار عن دوام الفعل . ومثل هذا لا يخفى عن النبي صلي الله عليه وسلم ولا يصدر إلا عن أمره .
وممن روي عنه العفو عن ذلك: ابن عباس وأبو هريرة وجابر وابن أبي أوفى ، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فيكون إجماعًا . ذكره في المغني .
إذا ثبت هذا: فالدم الذي يعفى عن يسيره دم الآدمي لما ذكرنا . قاله في شرح الهداية ، ودم البق والبراغيث ونحوهما إذا قلنا بنجاسته ؛ لأن التحرز منه أشق ، ودم ما يؤكل لحمه من طريق الأولى ؛ لأن البلوى تعم به لأجل ذبحه وتذكيته مع أن نجاسته أخف حكمًا ، ألا ترى أن بوله وروثه طاهر على خلاف فيه .
وبول الآدمي وعذرته نجسان إجماعًا .
فأما ما لا يؤكل لحمه ونفسه سائلة: فلا يعفى عن يسير دمه ؛ لأن التحرز منه ممكن غالبًا ، ونجاسته مغلظة حكمًا ، ولذلك حكم بنجاسة لبنه دون لبن الآدمي والمأكول .
وقد أسلفنا أنه عليه الصلاة والسلام خلع نعليه من دم حَلَمَة وهو في الصلاة معللًا بذلك ، وهذا التعليل يقتضي التسوية بين كثيره وقليله .
وظاهر كلام المصنف: أن دم الحيض والنفاس يعفى عن يسيره . وهو أحد الوجهين ، وهو ظاهر كلام جماعة منهم الموفق ، وهو المذهب جزم به في المغني والشرح وابن رزين والمنور ، وقدمه في الرعايتين واختاره القاضي ، وبه قال إسحاق ؛ لأنه دم خارج من البدن فأشبه غيره .
والثاني: لا يعفى عن يسيره . اختاره المجد وابن عبيدان وغيرهما .
قال في شرح الهداية: وهو الأظهر . وعن مالك روايتان كالوجهين ؛ لقوله عليه
(1) ... أخرجه أبو داود في الطهارة ، باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها 1/100ح364 .
(2) ... أخرجه البخاري في الحيض ، باب هل تصلي المرأة في ثوب حاضت فيه 1/118ح306 . وأبو داود في الطهارة ، باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها 1/98ح358 .