جواز مس الجلد فإنه قال: لا يمس المحدث مصحفًا . وقيل: ولا جلده وذلك لقوله تعالى: { لا يمسه إلا المطهرون } [ الواقعة:79 ] وهذا نهي بصيغة الخبر ؛ لئلا يقع خبر الله تعالى بخلاف مخبره . وحمله على مس الملائكة اللوح المحفوظ بعيد ؛ لأنهم كلهم مطهرون ، ومسه والاطلاع عليه إنما هو لبعضهم .
ولأن اللوح المحفوظ غير منزل ، فمسه غير ممكن .
وروي في الكتاب الذي كتبه النبي صلي الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: (( أن لا يمس القرآن إلا طاهر ) ) [1] رواه مالك في الموطأ ، والأثرم والدارقطني .
وعن ابن عمر قال: (( لا يمس المصحف إلا على طهارة ) ) [2] حكاه الإمام أحمد محتجًا به .
وعن مصعب بن سعد قال: (( كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص ، فاحتككت فقال: لعلك مسيت ذكرك ؟ فقلت: نعم . فقال: قم فتوضأ ) ) [3] رواه مالك .
وعن عبدالرحمن بن يزيد قال: (( كنا مع سلمان فخرج فقضى حاجته ثم جاء فقلت: أبا عبدالله لو توضأت ، لعلنا نسألك عن آيات قال: لست أمسه ، لا يمسه إلا المطهرون ) ) [4] رواه الأثرم والدارقطني .
فهذا قول ثلاثة من الصحابة . وبهذا قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم من العلماء .
فإن قيل: قد كتب النبي صلي الله عليه وسلم في كتابه إلى قيصر آية وهي: { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } [ آل عمران:64 ] .
قلنا: إنما قصد بها المراسلة ، والآية في المراسلة أو في كتاب فقه أو نحوه لا تمنع مسه ؛ لأنه لا يصير بها الكتاب مصحفًا ولا تثبت له حرمته .
إذا ثبت هذا ؛ فمتى طهر المحدث بعض أعضائه لم يجز له مسه به حتى يكمل
(1) ... أخرجه الدارقطني في الحج ، باب المواقيت 2/285ح122 . ومالك في النداء للصلاة 1/199ح 469 .
(2) ... ذكره الشوكاني في نيل الأوطار 1/259. والمباركفوري في تحفة الأحوذي 1/387.
(3) ... أخرجه مالك في الطهارة 1/42ح 90 .
(4) ... أخرجه الدارقطني في الطهارة ، باب في نهي المحدث عن مس القرآن 1/124ح9.