ودعوى النسخ بقول جابر رضي الله عنه في الصحيح: (( كان آخر الأمرين من رسول الله صلي الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ) ) [1] مردود بأن هذه قضية عين ، ولا عموم لها .
ثم لو سلم عمومه كما قاله علماؤنا ، أو ورد لفظ عام: لم ينسخ العام الخاص ، بل الخاص يقضي على العام .
ثم لو سلم اندراج المطبوخ منه في العموم ، فإنما يدل على نفي الوضوء بسبب مس النار ، لا نفي الوضوء من جهة أخرى . وإذًا نقول: الوضوء من المطبوخ كان لعلتين: مس النار وكونه لحم إبل ، فإذا زالت إحداهما لا يلزم زوال الأخرى .
وقد شمل كلام المصنف النيء ، وهو كذلك لما تقدم .
تنبيه: ظاهر كلام المصنف: أن غير اللحم من الجزور لا ينقض ؛ لقوله: (( وأكل اللحم خاصة من الجزور ) ). ولا ينقض الوضوء ما عدا اللحم من بقية أجزاء الجزور ؛ كالسنام والكرش والدهن والمرق والمصران والجلد والطحال والكبد وعظمه وشحمه . وهو الصحيح ؛ لأنه لم يرد نص قوي ولا ضعيف ، والقياس لا يقتضيه .
ولأن الصحيح من المذهب: أن الوضوء من لحم الإبل تعبدي ، وعليه علماؤنا فلا يتعدى إلى غيره .
وظاهر كلامه أيضًا: أن أكل الأطعمة سواه لا ينقض الوضوء ، وهو المذهب وعليه علماؤنا . وهذا قول الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ، ولا نعلم اليوم فيه خلافًا .
وعنه: ينقض الطعام المحرم . وعنه: اللحم المحرم مطلقًا . وعنه: ينقض لحم الخنزير فقط .
قال أبو بكر: وبقية النجاسات تخرج عليه . حكاه عنه ابن عقيل .
وقال الشيخ تقي الدين: وأما لحم الخبيث المباح للضرورة ؛ كلحم السباع فينبني الخلاف فيه . على أن النقض بلحم الإبل تعبدي ؛ فلا يتعدى إلى غيره ، أو معقول
(1) ... أخرجه أبو داود في سننه (192 ) 1/49 كتاب الطهارة ، باب ترك الوضوء مما مست النار.
وأخرجه الترمذي في جامعه (80 ) 1/116 أبواب الطهارة ، باب ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار.
وأخرجه ابن ماجة في سننه (489 ) 1/164 كتاب الطهارة ، باب الرخصة في ذلك.