قلت: مثل هذا لا يخفى على القاضي ، وإنما أراد القاضي والله أعلم أن وجوب الغسل ملازم لوجوب الطهارة الصغرى كما تقدم .
وممن صرح بأن الموجبات للغسل تنقض الوضوء: السامري . وابن حمدان حكى وجهًا: بأن الوضوء لا يجب بالالتقاء بحائل ولا بالإسلام . وإذًا ينتفي الخلاف بين الأصحاب في المسألة انتهى .
فروع:
الأول: تخصيص المصنف بالنقض بالردة ظاهره: لا ينقض ما عداها من الكلام المحرم ؛ كالكذب والغيبة والنميمة والرفث والقذف وغيرها . نص عليه الإمام أحمد .
قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ قوله من علماء الأمصار على أن القذف وقول الزور والكذب والغيبة: لا يوجب طهارة ولا ينقض وضوءًا .
لكن يستحب الوضوء من الكلام المحرم ؛ لما روى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس قال: (( لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليّ من أن أتوضأ من الطعام الطيب ) ) [1] .
ولأنه سبب لمحو الخطايا والسيئات ؛ فاستحب عقيب إساءتها كالصلاة . وقد روى حرب بإسناده عن ابن عباس: (( أن رجلين صليا مع النبي صلي الله عليه وسلم صلاة الظهر أو العصر وكانا صائمين ، فلما قضيا الصلاة قال: أعيدا وضوءكما وصلاتكما ، وامضيا في صومكما ، واقضيا يومًا آخر . قالا: لمَ يا رسول الله ؟ قال: اغتبتما فلانًا ) ) [2] . وفي طريقه المثنى بن بكر العبدي ، قال الرازي: هو مجهول ، ولو ثبت فهو محمول على الاستحباب لما ذكرنا .
وقد روي عن غير واحد من السلف: أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث . وقد حكى الآمدي عن الإمام أحمد رواية بوجوب الوضوء . والمشهور خلافه .
والصحيح أن الأمر في ذلك ممن أمر به: يحمل على الاستحباب بالأدلة المذكورة .
(1) ... أخرجه الطبراني في الكبير 9/248ح 9222 . والطحاوي 1/68 كلاهما عن ابن مسعود .
(2) ... ذكره السيوطي في الدر المنثور 6/105 سورة الحجرات ، وعزاه إلى الخرائطي في مساوئ الأخلاق والبيهقي .