رسول الله صلي الله عليه وسلم يخفقون الخفقة والخفقتين ويصلون ولا يتوضؤون . وكذلك نقل عنه ابن القاسم: إن نام جالسًا يسيرًا لم يعد الوضوء . وهذا قول حماد والحكم ومالك والثوري وأصحاب الرأي .
وقال الشافعي: لا ينقض وإن كثر إذا كان متمكنًا مفضيًا بمحل الحدث إلى الأرض .
وعن الإمام أحمد نحوه . وعنه لا ينقض إلا أن يكون مضطجعًا ؛ لما روى أنس قال: (( كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون ) ) [1] رواه مسلم .
وعنه قال: (( كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ، ثم يصلون ولا يتوضؤون ) ) [2] رواه أبو داود .
وهذه إشارة إلى جميعهم ، وبه يتخصص عموم الحديثين الأولين .
ولأنه متحفظ عن خروج الحدث ، فلم ينقض وضوءه كما لو كان نومه يسيرًا .
ولنا: عموم الحديثين الأولين ، وإنما خصصناهما باليسير ؛ لحديث أنس . وليس فيه بيان كثرة ولا قلة ؛ فإن النائم يخفق رأسه من يسير النوم ، فهو يقين في اليسير فيعمل به فيه ، وما زاد عليه فهو محتمل ، فلا يترك له العموم المتيقن .
ولأن نقض الوضوء بالنوم معلل بإفضائه إلى الحدث ، ومع الكثرة والغلبة يفضي إليه ، ولا يحس بخروجه منه ، بخلاف اليسير . ولا يصح قياس الكثير على اليسير ؛ لاختلافهما في الإفضاء إلى الحدث .
القسم الثالث: ما عدا هاتين الحالتين ، وهو نوم القائم والراكع والساجد ، فقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في ذلك: فروي عنه: أن النوم اليسير جالسًا أو قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا لا ينقض . وهو قول أبي حنيفة .
وعن الإمام أحمد: أن نوم الراكع والساجد ينقض بكل حال . نقلها صالح وحرب فقال: إن نام راكعًا أو ساجدًا يعيد الوضوء ، طال الفضل أو لم يطل ، وبه قال مالك ؛ لأن محل الحدث من الراكع والساجد منفرج مستطلق فصار كالمضطجع ، ومحل القاعد
(1) ... أخرجه مسلم في الحيض ، باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء 1/284ح376 .
(2) ... أخرجه أبو داود في الطهارة ، باب الوضوء من النوم 1/51ح200 .