نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته )) [1] . قال الترمذي: هذا حديث صحيح .
فلو لم يكن الطهور متعديًا لم يكن جوابًا لمن سأله عن التعدي ؛ لأن في الطاهرات ما لا تجوز الطهارة به .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا دخل على مريض يعوده قال: لا بأس طهور إن شاء الله ) ) [2] متفق عليه .
ومعناه: أن المرض مطهر من الذنوب ؛ إذ كونه طاهرًا لا معنى له .
وأما قوله تعالى: { شرابًا طهورًا } [ الإنسان:21 ] معناه: طاهرًا مطهرًا ، ولم يحتج هناك إلى التطهير ؛ لأن القصد وصفه بأعلى الأشربة عندنا ، وهو الماء الجامع للصفتين .
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الآية: (( شرابًا مطهرًا من الغل والغش ) ). كما قال تعالى: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } [ الأعراف:43 ] .
وقولهم: إن العرب سوّت بينهما في التعدي واللزوم .
قلنا: قد فرقوا بينهما في الجملة فقالوا: (( ضارب ) )لمن وجد منه الضرب ، و (( ضروب ) )لمن تكرر منه ذلك ، فيجب أن يفرق بينهما هاهنا . وليس إلا من حيث اللزوم والتعدي ؛ لأن طهارة الماء كطهارة غيره . هذا بحث علمائنا .
تنبيه: وفائدة الخلاف: أن المائعات لا تزيل النجاسة . قاله القاضي وأصحابه .
وقال أبو العباس: وفائدة ثانية ولا تدفعها عن نفسها ، والماء يدفع بكونه مطهرًا ، كما دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (( خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء ) ) [3] وغيره ليس بطهور فلا يدفع .
وأجاب القاضي وغيره المالكية عن قولهم في طهارة المستعمل: الطهور ما تكرر منه التطهير ، أن المراد جنس الماء أو كل جزء منه إذا ضم إلى غيره وبلغ قلتين ، أو أن معناه
(1) ... أخرجه أبو داود في الطهارة ، باب النهي عن ذلك 1/21ح83 . والترمذي في الطهارة ، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور 1/100ح69 .
(2) ... سبق تخريجه ص: 77 .
(3) ... سبق تخريجه ص: 126 .